نحن في المملكة العربية السعودية لا نبني مواقفنا على التمنيات، ولا نقيس الأخطار بحجم ما نرغب أن تكون عليه، بل بحجم ما هي عليه في الواقع. فالدول الراسخة لا تستهين بخصومها، ولا تستبدل الحقائق بالرغبات، لأن الخطأ في تقدير العدو قد يكون أشد خطرا من العدو نفسه.

ولهذا لم يكن التقليل من شأن الخصوم يوما جزءا من العقل الاستراتيجي السعودي، بل كانت دقة القراءة واتساع الرؤية واستيعاب المشهد كاملا من الثوابت التي قامت عليها سياسات الدولة في حماية أمنها وصيانة مصالحها.
فالعدو لا يقاس بعدد مقاتليه، ولا بما يمتلكه من صواريخ أو طائرات مسيرة فحسب، بل بما يقف خلفه من دوافع ومشاريع ومصالح وشبكات دعم وتمويل وتحريض.

فما يظهر في الميدان ليس دائما كل الحقيقة، بل كثيرا ما يكون الوجه الظاهر لقوى وحسابات تعمل بعيدا عن الأنظار.

الأدوات قد تتبدل، أما الأهداف فتبقى، والواجهات قد تتغير، لكن المشاريع التي تقف خلفها تظل تبحث عن وسائل جديدة لتحقيق غاياتها.

ومن هنا، فإن النظر إلى الحوثي باعتباره كل المشكلة لا يكفي لفهم طبيعة التهديد؛ فهو يمثل الواجهة الظاهرة، لكنه ليس بالضرورة كل القصة. السعودية تدرك أن هذا الخطر لا ينمو بقوته الذاتية وحدها، بل بما يجده من دعم وإسناد وتسهيلات ومصالح ترى في استمراره منفعة أو ورقة ضغط أو فرصة لتحقيق أهداف لا تستطيع إعلانها صراحة.

ولذلك لم تتعامل السعودية مع هذا التهديد بوصفه مواجهة عسكرية مجردة، بل بوصفه ملفا معقدا تتداخل فيه الجوانب الأمنية والسياسية والإعلامية والاقتصادية والإقليمية.

ففي منطقة تتشابك فيها المصالح وتتنافس فيها المشاريع، تدرك المملكة أن بعض القوى الإقليمية والدولية، القريبة والبعيدة، تستفيد من بقاء الأزمات مشتعلة ومن استنزاف الاستقرار وإرباك التوازنات. ولهذا لم تكن الرؤية السعودية أسيرة لما يظهر على السطح، بل اتجهت دائما إلى فهم ما وراء الأحداث، وقراءة المسببات قبل النتائج، وملاحقة المنابع قبل الاكتفاء بمواجهة المظاهر.

والمملكة العربية السعودية لا تصغر خطرا لتطمئن، ولا تهول خطرا لتفزع، بل تتعامل مع الوقائع كما هي.

فهي تعلم أن مواجهة التهديد لا تكتمل بإحباط هجوم أو اعتراض صاروخ، بل بمعرفة من يغذيه، ومن يستثمر فيه، ومن يتواطأ لاستمراره.

فالمعركة الحقيقية ليست مع الأداة وحدها، وإنما مع البيئة التي تمنحها أسباب البقاء والتمدد.

ولهذا فإن الانتصار الكامل لا يتحقق بإضعاف الحوثي فحسب، بل بكشف الشبكات التي تدعمه، وإفشال الرهانات التي تراهن عليه، وتجفيف الموارد التي تمنحه القدرة على الاستمرار، حتى يسقط المشروع بأكمله لا إحدى واجهاته فقط.

وهنا يكمن جوهر القوة السعودية؛ دولة لا تخدعها الواجهات، ولا تشغلها التفاصيل عن الصورة الكبرى.

دولة تعرف عدوها كما هو، وتدرك ما يقف خلفه وما يحيط به، فتواجه الخطر من جميع منافذه، وتقطع عليه طرق الالتفاف والتحايل.

ولذلك لم يكن أمنها يوما رهينة المفاجآت، لأنها لا تكتفي بمواجهة التهديد، بل تذهب إلى جذوره حتى لا يعود بثوب جديد أو اسم مختلف.

ومن هنا يكون النصر الحقيقي: ليس بإسقاط الأداة وحدها، بل بإسقاط المشروع الذي يقف خلفها.

shaheralnahari@