في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - صدر في ربيع الآخر من عام 1379هـ المرسوم الملكي القاضي بفتح مدارس لتعليم البنات، ثم تأسست الرئاسة العامة لمدارس البنات عام 1380هـ، وعرفت لاحقا باسم الرئاسة العامة لتعليم البنات عام 1381هـ، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في مسيرة تعليم الفتيات بالمملكة العربية السعودية.

غير أن التعليم الأهلي للبنات في مكة المكرمة بدأ قبل تأسيس الرئاسة العامة لتعليم البنات بنحو ثمانية عشر عاما، بفضل مبادرات تعليمية رائدة أسهمت في إتاحة فرص التعليم للفتيات. وقد شهدت العاصمة المقدسة ظهور تسع مدارس أهلية للبنات خلال تلك الفترة، شكلت بدايات مهمة في مسيرة تعليم المرأة بمكة المكرمة، ومهدت لمرحلة جديدة من تطوره. وفيما يلي نستعرض هذه المدارس بإيجاز.

- مدرسة البنات الأهلية: توصف بأنها أول مدرسة نظامية للبنات في المملكة العربية السعودية، وهي من أقدم المدارس المخصصة لتعليم الفتيات في مكة المكرمة. وقد ظهرت إلى حيز الوجود في شهر ربيع الأول من عام 1362هـ، وكان مقرها الأول في حي الشامية، وأسسها الشيخ محمد بن ياسين عيسى الفاداني.

- مدرسة الفتاة الأهلية: تعد ثاني أقدم مدارس البنات في مكة المكرمة، وقد أسسها حسين عبدالغني فلمبان عام 1367هـ، تحت اسم «مدرسة الفتاة للثقافة والتدبير المنزلي»، ثم تغير اسمها عام 1387هـ إلى «مدرسة الفتاة الأهلية»، وكانت تقع في حي الفلق.

- مدرسة طاسين للبنات: مؤسسها عبدالعزيز طاسين قاروت سكارتو وقد كان له عام 1372هـ قبل تأسيس المدرسة كتاب وكان أشبه ما تكون عليه المدارس النظامية، ثم قام بتنظيم كتابه وسعى لتحويله إلى مدرسة سميت بمدرسة طاسين للبنات، حيث حصل على تصريح رسمي من وزارة المعارف فأصبحت مدرسة نظامية في عام 1379هـ. وكان يقع مبنى المدرسة في جبل أبي قبيس.

- المدرسة الفيصلية (الأمينية): كانت تقع في حي القشاشية، مؤسسها الشيخ حسن عمر فلمبان عام 1375هـ سميت في بادئ الأمر بالمدرسة الأمينية نسبة إلى ابنة المؤسس (أمينة) ثم غير الاسم وأصبحت تعرف بالمدرسة الفيصلية نسبة إلى الأمير (الملك) فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله.

- المدرسة الأهلية للبنات: كانت تقع في حي المسفلة. مؤسستها السيدة (آسيا دوري)، وقد أعلن عن المدرسة بصورة رسمية عام 1375هـ واستمرت حتى عام 1380هـ.

- مدرسة البنات: مؤسستها عزيزة عبدالملك فادن عام 1376هـ. وكان يقع مبنى المدرسة في ريع اللصوص (العتيبية) شارع الأندلس بالقرب من مدرسة عمرو بن العاص للبنين.

- مدرسة الزهراء الأهلية: تقع في حي الزاهر، أسسها عمر عبد الجبار، عرفت في بداية أمرها بروضة الأطفال وابتدأ التدريس بها عام 1378هـ، لم يقف طموح الشيخ عمر على المرحلة الابتدائية بل قام بافتتاح المرحلة الإعدادية. وفي عام 1381 هـ استكملت المدرسة صفوف المرحلة المتوسطة الثلاثة. بعد ذلك بثلاث سنوات أصبح بها المرحلة الثانوية. وعليه فمدارس الزهراء هي أول مدرسة تضم صفوف المرحلة الثانوية بمكة المكرمة. وقد بقيت حتى بداية العام الدراسي 1391/1392هـ المدرسة الثانوية الوحيدة للبنات بمكة المكرمة، ذلك لأن الرئاسة العامة لم تفتح مدرسة ثانوية إلا عام 1392هـ، وقد تخرجت أول دفعة من حملة الشهادة الثانوية بقسميها العلمي والأدبي عام 1385هـ.

- المدرسة النموذجية للبنات: مؤسسها الشيخ بكر سالم جانشاه. استأجر دارا في العتيبية عام 1378هـ لتكون نواة للمدرسة والتي أسماها المدرسة النموذجية للبنات. وفي عام 1379هـ حصل على التصريح الرسمي من وزارة المعارف.

- مدرسة أجياد للبنات: كانت تقع في حي أجياد، مؤسستها السيدة وداد عواد رزق عام 1378هـ، وبعد عدة سنوات تغير اسم المدرسة ليصبح اسمها الروضة الأهلية وحضانة الطفل وانتقلت إلى الرصيفة.

ولا تزال بعض هذه المدارس تواصل أداء رسالتها التعليمية حتى اليوم، فيما توقف بعضها الآخر عن العمل لأسباب مختلفة. وللتوسع في التعرف على تاريخ هذه المدارس ومسيرتها، يمكن الرجوع إلى كتاب «مدارس البنات الأهلية التي أنشئت قبل الرئاسة العامة لتعليم البنات في مكة المكرمة من عام 1356هـ - 1380هـ» لمؤلفته الأستاذة عبير زاهد قدسي، الذي يعد مرجعا مهما في توثيق هذا الجانب من تاريخ التعليم الأهلي بمكة المكرمة.

وقد شهد تعليم البنات في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز - رحمه الله - نقلة نوعية، تمثلت في إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات بوصفها جهة مستقلة عن وزارة المعارف، اتخذت من مدينة الرياض مقرا لها، وتولت الإشراف على تعليم البنات في مختلف أنحاء المملكة.

ومنذ عامها الأول، بدأت الرئاسة في افتتاح إدارات للتعليم في عدد من مدن المملكة. أما في مكة المكرمة، فقد كان تعليم البنات في بداياته يتبع مندوبية مرتبطة بإدارة تعليم البنات في مدينة جدة، وكان محمد خميس أول من تولى هذا المنصب. وفي عام 1382هـ، عين محمد بن ناصر الراشد مندوبا لتعليم البنات بمكة المكرمة، في وقت لم يكن فيه جهاز إداري متكامل، ولا موظفون، ولا مقر رسمي للعمل.

وفي عام 1383هـ، بدأ الجهاز الإداري لتعليم البنات بمكة المكرمة ممارسة أعماله من خلال مكتب رسمي، حتى اكتمل الجهاز الإداري عام 1384هـ، الذي شهد كذلك فصل مكة المكرمة عن جدة إداريا في شؤون تعليم البنات، واستحداث إدارة مستقلة لتعليم البنات بمكة المكرمة، عين محمد بن ناصر الراشد مديرا لها. وكان مقرها الأول في حي الروضة، وذلك وفقا لإفادة أحد الموظفين القدامى بالرئاسة العامة لتعليم البنات.

أنشأت الرئاسة لتعليم البنات عام 1380هـ ثلاث مدارس ابتدائية، في مكة المكرمة (المدرسة الابتدائية الأولى بالمعابدة، المدرسة الابتدائية الثانية بجرول، المدرسة الابتدائية الثالثة بأجياد) ثم أخذ عدد المدارس الابتدائية يزداد باطراد حتى بلغ عددها في بداية العام الدراسي 1391-1392هـ أربعا وثلاثين مدرسة، وقد لجأت الرئاسة إلى تسمية المدارس تسمية عددية لسهولة إدارتها وإرسال الأوامر والتعاميم لها.

ظل التعليم في المدارس التابعة للرئاسة العامة بمكة المكرمة مقتصرا على المرحلة الابتدائية حتى عام 1386هـ، حين افتتحت المدرسة المتوسطة الأولى في حي الملاوي. وفي عام 1390هـ، افتتحت مدرستان متوسطتان؛ هما المدرسة المتوسطة الثانية في حي العتيبية، والمدرسة المتوسطة الثالثة في حي جرول، التي كانت تشترك مع المعهد الفني في المبنى والإدارة. أما المدرسة المتوسطة الرابعة، فقد كان مقرها في حي المسفلة، وانتظمت الدراسة فيها خلال العام الدراسي 1391/1392هـ.

أما التعليم الثانوي في مدارس الرئاسة العامة بمكة المكرمة، فلم يبدأ إلا في العام الدراسي 1391/1392هـ، حين افتتحت المدرسة الثانوية الأولى في حي الملاوي. ويعزى تأخر افتتاح المدارس المتوسطة والثانوية، في مكة المكرمة والمملكة عموما، إلى تركيز الرئاسة على إنشاء معاهد لإعداد المعلمات وتأهيلهن للتدريس؛ إذ بدأت هذه المعاهد منذ عام 1380هـ في استقبال خريجات المرحلة الابتدائية، وتخرجت منها عدة دفعات قبل افتتاح أول مدرسة متوسطة بمكة المكرمة.

ومع تطور التعليم تم ضم الرئاسة العامة لتعليم البنات إلى وزارة المعارف عام 1423هـ بموجب مرسوم ملكي في عهد الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله. كما تم تغير اسم وزارة المعارف إلى وزارة التربية والتعليم عام 1424هـ.

وفي 9 من ربيع الثاني 1436هـ صدر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بدمج وزارتي التربية والتعليم، والتعليم العالي في وزارة واحدة بمسمى (وزارة التعليم).

وفي عام 1432هـ، جرى توحيد إدارتي تعليم البنين والبنات تحت إدارة واحدة، وتعيين الأستاذ بكر بن إبراهيم بصفر مديرا عاما للتربية والتعليم للبنين والبنات بمنطقة مكة المكرمة. وممن تولوا إدارة تعليم البنات بمكة المكرمة، ممن أمكنني الحصول على أسمائهم، الأستاذ محمد بن دخيل الحميضي، الدكتور عبدالعزيز العقلا، والأستاذ حامد بن جابر السلمي، الذي تولى إدارتها عام 1429هـ، حتى تعيينه نائبا للمدير العام عام 1432هـ.

ولم أتمكن من التحقق من الفترات الزمنية التي تولى فيها كل من المذكورين هذا المنصب، أو التأكد من اكتمال القائمة؛ إذ لم أعثر، في حدود المصادر التي اطلعت عليها، على مرجع موثوق يتضمن حصرا شاملا ومرتبا زمنيا لمديري تعليم البنات بمكة المكرمة. كما لم يتضمن الموقع الالكتروني لإدارة التعليم معلومات بهذا الشأن.

وتظل مسيرة تعليم البنات بمكة المكرمة مجالا يستحق مزيدا من البحث والتوثيق، لما تزخر به من محطات تاريخية، وجهود رائدة أسهمت في نشأة التعليم وتطوره في العهد السعودي. ويأتي هذا المقال محاولة للإسهام في توثيق جوانب من هذه المسيرة، تمهيدا لاستكمال جمع مصادرها وشواهدها؛ صونا لذاكرة مكة التعليمية، ووفاء لكل من أسهم في بنائها ونهضتها.

makkawicom@