في العاشر من أكتوبر من كل عام يحل اليوم العالمي للصحة النفسية، وقد استوقفني شعار هذا العام بعنوان «الإصغاء إلى التجارب المعاشة: أصوات حقيقية، وتغيير حقيقي». الشعار لا يكتفي بأن نستمع إلى قصص من عانوا فقط. إنه يدعو إلى أن يكون لهم رأي في القرارات التي تمس حياتهم.

وقد وضع الشعار في الأصل للحديث عن المعاناة النفسية وأنظمة رعايتها، لكن روحه تتسع لمكان يقضي فيه كثير منا ثلث يومه أو أكثر، وهو بيئات العمل المهنية. فهناك أيضا أصوات لا تسمع. موظفون مثقلون يحملون من الضغوط ما يفوق طاقتهم، يعملون تحت إدارات قد يلتبس عليها الخط الفاصل بين «الحزم المهني» و«التسلط الإداري». وعلى الأرجح لن يتقدم أحد من هؤلاء الموظفين بشكوى أو اعتراض، فما يحدث لا يرقى في نظر كثيرين إلى «مخالفة» يمكن إثباتها، أو ربما خوفا من ثمن باهظ سيدفعه في تقييمه السنوي ومساره المهني.

لذلك يبقى في فمهم ماء.. وربما في أفواه كثيرين غيرهم ممن يحملون تفاصيل مهنية متعبة لا يتحدثون عنها. فما الذي يحدث حقا في كواليس العمل؟ وهل يمكن أن نطالب الموظف بالإنتاج والإبداع والمبادرة وهو يعمل تحت ضغوط هيكلية ومستجدات متسارعة وجداول زمنية لا تحتمل المرونة، ثم يكتشف أن التحدي الأكبر ليس في طبيعة المهام، بل في طريقة إدارتها؟

لا شك أن الخطط الاستراتيجية ومؤشرات الأداء ضرورة لا غنى عنها لأي منظمة عمل، ولا تستقيم منظمة بلا مستهدفات. لكنها قد تتحول أحيانا لدى بعض القيادات إلى مبرر لممارسات تتجاوز حدود المقبول. فبأي دافع نتوقع من موظف ما أن يؤدي المطلوب ويقترح ويبادر وهو منشغل بما قد يحدث له في الاجتماع القادم؟ أو عالق بمرارة الانغماس في تفاصيل ما يحدث معه من مواقف تتجاوز كلفة العمل فيها ساعات الدوام الرسمية؟ وهو ينفق جزءا جوهريا من طاقته الذهنية والنفسية في التنقل بحذر داخل بيئة تفتقر إلى الأمان النفسي بدل توجيه تلك الطاقة نحو الابتكار والإنتاج. ويبرز السؤال الأكثر إلحاحا من جوهر الأمان الوظيفي: وهو حدود المفاهيم: أين يبدأ الحزم وأين ينتهي التسلط؟

يبدأ الإنصاف بضبط المفهوم. فالقيادة لديها مسؤوليات لا تخلو من الضغوط؛ فهي مطالبة بتحقيق المستهدفات، وإدارة الموارد، واتخاذ قرارات قد لا ترضي الجميع. كما أن ومن حق المدير أن يضع معايير مرتفعة، ويتابع التنفيذ، ويحاسب على التقصير بصرامة وفق إجراءات واضحة، وأن يرفض الطلبات التي لا تسندها اللوائح والأنظمة. وفي المقابل، يحتاج الموظف إلى معرفة ما يتوقع منه، والحصول على ملاحظات محددة، وفرصة لشرح موقفه وتصحيح أدائه عبر نقد مهني موضوعي. لذلك تقتضي المنهجية السليمة فحص الوقائع في سياقها، بعيدا عن الانطباعات العابرة أو الأحكام المسبقة أو الشخصنة. بهذه الموازنة يصبح الحزم مفهوما، وتصبح المحاسبة أقرب إلى الإنصاف.

المفارقة الكبرى أن بعض المسؤولين مقتنعون بصدق أن أسلوبهم القيادي وما حققوه من مستهدفات هو دليل على صوابه. وتتكرر في بعض البيئات ممارسات تصنفها الأدبيات التنظيمية الحديثة تحت مسمى «الإشراف المسيء». والإنصاف يقتضي القول إن كثيرا ممن يمارسونه يريدون مصلحة العمل فعلا، بل تشير دراسات إلى أن بعضهم لا يدرك أصلا أن سلوكه يفهم على هذا النحو.

بالنظر إلى هذه الممارسات من زاوية الصحة النفسية والأداء المؤسسي، نجد مرجعيات واضحة تتناولها. فمنظمة الصحة العالمية تدرج ممارسات الإدارة والإشراف غير الملائمة ضمن المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل. وقد خلصت مراجعة منهجية وتحليل تجميعي نشر عام 2025 وشمل 27 دراسة إلى وجود ارتباط بين أنماط الإشراف السلبي وارتفاع معدلات الاحتراق الوظيفي ونية ترك العمل. غير أن الكلفة الأعمق قد لا تظهر في أرقام المغادرين بل في من بقي!! وذلك في صورة تراجع في الدافعية والشغف، وانعدام الشعور بالولاء والانتماء، وصمت يفسر خطأ على أنه رضا وقبول.

ومن هنا تبرز تساؤلات أعمق: ما المعايير التي تدعمها منظومة الحوافز والمساءلة والحوكمة؟ ومن يتحمل الكلفة الحقيقية؟ وكيف نحدث تغييرا لدى قائد يحسن إدارة علاقته برؤسائه، لكنه يتعثر في إدارة علاقته بمرؤوسيه؟
من وجهة نظر الأبحاث الحديثة، أبرزت مراجعة نشرت في مجلة «أخلاقيات الأعمال» عام 2025 أهمية دور القيادة العليا في تطوير ثقافة المؤسسة والمتابعة المستمرة. كما أظهرت مراجعة نطاقية نشرت عام 2026 في دورية Personnel Review أن التدخلات الفردية المعزولة لا تحقق نتائج مستدامة، في حين كانت التدخلات الممتدة ومتعددة المستويات، التي يشارك فيها العاملون بفاعلية وتدعمها الإدارة العليا، أكثر أثرا واستدامة.

بمعنى، إذا كانت الأزمة ذات طابع مؤسسي، فإن الحلول الفردية العابرة لن تجدي نفعا؛ إذ تؤكد الأبحاث المعاصرة أن التدخلات المستدامة تتطلب منظومة شاملة تدعمها الإدارة العليا.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لتبني آليات مرنة وحوكمة واضحة لفض النزاعات بعيدا عن المعارك القضائية والتعسف الإداري. فعلى سبيل المثال، تتبنى بعض المنظمات الدولية مثل منظمة العمل الدولية «ILO» ومؤسسة «Acas» نموذجا لجهة مستقلة عن الهيكل الإداري المباشر لفض النزاعات، يمكن أن يأخذ شكل مجلس أمناء أو حكماء حيادي ويضم شخصيات ذات خبرة ومصداقية من داخل المؤسسة وخارجها، ويعرف أعضاؤه بالاتزان والحكمة والحياد التام، ولا تربطهم مصلحة مباشرة بأطراف أي خلاف. يتولى هذا المجلس استقبال الشكاوى والتظلمات بحرية كاملة، والإصغاء لكل الأطراف وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حلول ودية منصفة تحفظ للموظف كرامته، وللمدير مكانته، وللمؤسسة استقرارها. وتعيد الحقوق لأصحابها دون الدخول في دوامة الصراعات التي تستنزف وقتا يمكن استثماره في تحقيق المستهدفات والخطط.

فكثير من الخلافات المهنية يبدأ بسوء فهم صغير، ثم يكبر لأن الشخص لم يجد مساحة آمنة ليقول ما لديه. إن وجود طرف محايد يمنح المدير فرصة أن يسمع دون أن يشعر بأنه في موضع اتهام، ويمنح الموظف فرصة أن يتكلم دون أن يدخل في مواجهة. وهذا تحديدا ما يدعو إليه شعار يوم الصحة النفسية العالمي هذا العام «ألا يكتفى بالحديث عن الناس، بل أن تسمع أصواتهم وتحدث أثرا فعليا في القرار».

والفكرة ليست جديدة تماما، فنموذج «أمين المظالم التنظيمي» Organizational Ombuds معتمد في جامعات ومنظمات دولية كثيرة. وتحدد الرابطة الدولية لأمناء المظالم «IOA» معايير أساسية له تستند إلى أربعة مبادئ وهي: الاستقلالية، والحياد، والسرية، وعدم الرسمية. أي أن اللجوء إليه لا يعد بلاغا رسميا ولا يفتح تلقائيا ملف تحقيق. وتطبق الأمم المتحدة نموذجا قريبا عبر مكتب أمين المظالم وخدمات الوساطة الخاص بموظفيها.

إن النموذج المؤسسي لمجالس من الحكماء يقوم بدور تفعيل آليات الوساطة وإصلاح العلاقات المهنية المتصدعة بحاجة إلى ضمانات وحوكمة تحميه من أن يتحول إلى إجراء شكلي. حيث لا بد من الفصل الواضح بين المسار الودي والمسار الرسمي، والحرص على أن تكون هذه اللجان طوعية وآمنة تماما، مع التأكد من عدم استخدامها مطلقا لإغلاق مسار تحقيق قائم أو الضغط للتنازل عن الحقوق في حالات التجاوزات الصريحة.

وتكتمل منظومة هذا النموذج بإجراءات وقائية مثل قياس جودة القيادة باستطلاعات دورية ضمن مؤشرات الأداء المؤسسي، تقرأ بالتوازي مع بيانات الاحتفاظ بالموظفين واستقرار الإنتاجية. وتفعيل المعايير الدولية كمعيار «ISO 45003» الخاص بإدارة المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل، ومنها ما يتصل بأساليب القيادة والعلاقات داخل الفريق. واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم «190» التي تكفل بيئة عمل خالية من العنف النفسي. بالإضافة إلى تدخلات إشرافية سلوكية موجهة، ومتابعة دورية للتغيير السلوكي قبل أن تتسع الفجوات.

ربما تبني مثل هذه المبادرات يعد أصدق احتفاء بيوم الصحة النفسية العالمي داخل منظوماتنا المهنية بعيدا عن الفعاليات والشعارات الموسمية، وخطوة جدية نحو توفير بيئة عمل آمنة، داعمة، ومحفزة على الإنصات الواعي لأصوات العاملين وتجاربهم. إن الصحة النفسية في بيئة العمل ليست رفاهية، بل هي ركيزة أساسية لاستدامة التميز وكفاءة الأداء.

وما بين الحزم والتسلط يكمن اختبار الرزانة المؤسسية. وما أروع التوجيه النبوي لرسول الرحمة ﷺ في التعامل الإنساني لمن له سلطة «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» (صحيح مسلم).

فالقيادة أمانة، والرفق ليس ضعفا، والكرامة الإنسانية ليست بندا يقايض بالإنتاجية تحت أي مبرر. ففي بيئة تحترم الإنسان ليعمل وينتج بسلام، لا يحتاج أحد أن يبقي في فمه ماء.

HibahAldosari@