قبيل عدة أسابيع قام أبنائي بدعوتي لحضور لقاء (استاند أب كوميدي)، وكان الضيف شخصية مشهورة أكن لها الاحترام الشديد لعدة أسباب أهمها أن لقاءاته دائما يتخللها التركيز على المبادئ والأخلاقيات بطريقته الهزلية، إلا أنه لم تكن من عادتي أن أحضر لقاءات مثلها سابقا، بل إنني كنت دائما أرى أنها مضيعة للمال والوقت، بل كنت أتعجب من كمية الضحك التي تحدث عند مشاهدتي لتسجيلات تلك اللقاءات، وأردد في نفسي (فضاوة وقلة عقل)، قد أكون من أولئك الأشخاص الذين يركزون في المحتوى بكثرة، لم أدرك وقتها ما تحققه تلك اللقاءات من تفريغ انفعالي داخلي لم نشعر بوجوده ظاهريا بسبب انشغالاتنا اليومية الروتينية.. وإننا في أمس الحاجة لمثل ذلك الكسر للروتين الذي يعيد إلينا توازنا فقدناه بالتكرار.

من الجميل في الأمر أنني تيقنت وقتها أن حكمي على ذلك الضيف كان صحيحا مئة بالمئة، وأن ذلك العرض لم يكن لتبادل النكات الجوفاء بل كان يصور واقعا لما يحيط بنا من تغيرات في العادات والقيم تبدلت على مر الزمان.

انقضت أكثر من ساعتين من العرض ونحن في أجواء سعادة ومرح خفيف وجميل لم نشعر معها بالوقت إلى أن حدث أمر ما أبعدنا قليلا عن تلك الأجواء، فأثناء وجودنا في اللقاء وفي ظل الأحداث التي نمر بها من هجمات عدائية، أطلقت صافرة إنذار للتنبيه مصحوبة برسالة مضمونها «تحذير.. تتعرض المنطقة لتهديد جوي معاد، يرجى التصرف بهدوء والبقاء في المنزل أو مكان آمن بعيدا عن النوافذ والأبواب والاستمرار في اتباع تعليمات الدفاع المدني». وكانت تلك الصفارة تصدر صوتا في ما يقارب من ثلاثة آلاف جهاز جوال في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي جعل قوة الصوت تصنع حالة من الهلع بين الجمهور.. لم تتجاوز تلك الحالة دقائق لتعود الأجواء بهدوء إلى ما كانت عليه بعد أن توقف الضيف قليلا وتحدث وهو يبتسم ابتسامة المطمئن على أننا ننعم برخاء وأمان، وأنها لن تمضي إلا دقائق قليلة ويعلن عن زوال الخطر وهذا ما حدث بالفعل.

أكملنا العرض ورحل كل منا إلى حال سبيله، فالبعض أكمل ليلته في شوارع جدة الساهرة، ومنهم من توجه إلى شاطئ البحر، والأخير كانت تلك اللحظات هي نهاية يومه وتوجه إلى بيته يحتمي بجدرانه وينسل داخل فراشه المريح موقنا أن الله قد سخر لبلادي من يذود عنها ويحمي حماها لينام ساكنا مرددا «اللهم أدم على بلادنا الأمن والأمان.. باسمك ربي وضعت جنبي».

في عالم تموج فيه التحديات وتتسارع فيه المتغيرات، تقف المملكة العربية السعودية كركيزة للاستقرار وبوصلة للأمان. بالرغم من محاولات الاستهداف المستمرة لزعزعة أمنها، أثبتت المملكة أن مقدراتها الوطنية وسيادتها خط أحمر لا يمكن تجاوزه، محولة التحديات المحيطة إلى شهادة كفاءة لمنظومتها الأمنية والعسكرية، وتستند استراتيجية المملكة إلى مفهوم الأمن الاستباقي واليقظة الدفاعية تدار بأعلى مستويات الحكمة والإرادة الصادقة.

الأمن في القاموس السعودي ليس عسكريا فحسب؛ بل هو رؤية دبلوماسية حكيمة. تقود المملكة بوزنها السياسي والاقتصادي جهود التهدئة الإقليمية، وتوطد شراكاتها الدولية لحماية خطوط الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية. إنها القوة الناعمة التي تصنع السلام، مستندة إلى قوة ردع تحمي المكتسبات.

نعم.. هذه هي ديرتنا..

«أمن وأمان يا ديرتي

ما في مثل حضنك أمان

من يشبهك عين الله دايم تحرسك

نصحى وننام.. يا ديرتي

مثل الجبل ما تنحنين

في شدة الأزمة رخا متعودين

جود وكرم تعطي بسخا

يا ديرتي أمن وأمان.. يا درع هالأمة بثبات

رايات مجدك عاليات.. هيبة وحزم.. قوة وعزم

من يشبهك يا ديرتي

بك تجتمع كل الصفات

يا ديرتي أمن وأمان».