في المطبخ سكين تقطع بها الأم الخضار، وبالأداة نفسها قد يرتكب إنسان جريمة. وفي جيب أحدهم هاتف يصل به رحمه، ويطمئن على والديه، ويتعلم علما جديدا، وفي جيب آخر الهاتف نفسه الذي تنتهك به خصوصيات الناس، وتنشر الشائعات، وتفتح من خلاله أبواب لم تكن لتفتح لولا سوء استخدامه.

وليس السكين ولا الهاتف حالة استثنائية؛ فالمال يمكن أن يطعم جائعا، ويمكن أن يشتري ذمة. والمنصب قد يكون طريقا لخدمة الناس، وقد يصبح وسيلة للتسلط عليهم. والشهرة قد تحمل كلمة نافعة إلى الملايين، وقد تنشر التفاهة بينهم بالسرعة نفسها. وحتى الكلمة، وهي أبسط ما نملك، تستطيع أن تصلح بين اثنين، وتستطيع أن تهدم علاقة امتدت سنوات.

الأشياء في معظمها محايدة، ونحن الذين نحدد اتجاهها.

لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا حين يتعلق الأمر بأبنائنا. فنحن نعرف مخاطر الهاتف والإنترنت ومواقع التواصل، ونرى عالما مفتوحا يصل إلى الطفل والمراهق وهو جالس في غرفته، ولذلك يبدو المنع أحيانا هو الحل الأسرع والأكثر أمانا.

وقد يكون المنع ضروريا في مرحلة معينة، وقد يكون وضع الضوابط والرقابة وتحديد الأعمار والأوقات جزءا من مسؤولية الأسرة، لكن المشكلة أن الطفل الذي نمنعه اليوم سيكبر، والمراهق الذي نراقب هاتفه الآن سيأتي عليه يوم لا نستطيع فيه أن نراقبه.

فماذا سيحدث عندما يغيب الرقيب؟

هنا يظهر الفرق بين إنسان ترك الخطأ لأنه لم يستطع الوصول إليه، وإنسان يستطيع الوصول إليه ثم يتركه لأنه لا يريده.

الأول تحرسه الظروف، والثاني تحرسه قيمه.

ولهذا ربما يكون السؤال الأهم في التربية والمجتمع ليس: كيف نمنع أبناءنا من الأشياء السيئة؟ بل: كيف نبني داخلهم ما يجعلهم يختارون الصحيح عندما يكون الخطأ متاحا؟

إنها مهمة أصعب بكثير من إغلاق تطبيق أو مصادرة هاتف؛ لأنها تبدأ ببناء القناعة. أن يعرف الابن لماذا لا يعتدي على خصوصية الآخرين، لا أن يعرف فقط أن والده سيعاقبه إذا فعل. وأن تفهم الفتاة أن صورتها وخصوصيتها قيمة، لا أن تمتنع خوفا من اكتشاف أسرتها. وأن يعرف الموظف أن المال العام أمانة، حتى لو وجد ثغرة يستطيع من خلالها الحصول على ما ليس له. وأن يمتنع الإنسان عن نشر إشاعة، ليس خوفا من النظام وحده، بل لأنه يعرف ماذا يمكن أن تفعل كلمة كاذبة بإنسان بريء.

وحين تصبح هذه المعاني جزءا من تكوين الإنسان، يتحول الضمير الحي إلى رقيب لا يحتاج إلى كاميرا.

وهذه القيم لا تبنيها الأسرة وحدها. البيت يبدأ، والمدرسة تعزز، والإعلام يشارك، والمنبر والثقافة والقدوة العامة كلها تصنع البيئة التي ينشأ فيها الإنسان. وحين تتكرر قيمة الأمانة والرحمة واحترام الخصوصية والمسؤولية في البيت والمدرسة والمجتمع، لا تبقى كلمات جميلة تقال، بل تتحول مع الزمن إلى ثقافة عامة.

لسنا بحاجة إلى مجتمع يخاف أفراده من الخطأ لأن أحدا يراقبهم فقط، بل إلى مجتمع يرى أفراده أن بعض الأشياء لا تليق بهم حتى عندما يستطيعون فعلها دون أن يعلم بهم أحد.

فالسكين ستبقى في المطبخ، والمال سيبقى في الجيب، والهاتف سيصبح أكثر قدرة مما هو عليه اليوم، وستأتي أدوات جديدة لا نعرفها بعد. ولن نستطيع أن نمنع أبناءنا من كل شيء، ولا أن نسير خلفهم طوال العمر.

لكننا نستطيع أن نضع في داخلهم شيئا (القيمة) يسير معهم حين لا نستطيع نحن ذلك.