عظمة الدول تكمن في قدرتها على الاحتفاظ بعقلها حين يفقد الآخرون عقولهم، والاحتفاظ بميزانها حين تختل الموازين، وبمبادئها الراسخة حين تصبح الخيانة وجهة نظر، والفوضى مشروعا سياسيا تتستر خلفه الشعارات والأقنعة.

كم أنت عظيمة أيتها السعودية، وأنت تواجهين كل هذه التناقضات من حولك؛ جيرة تتبدل أقنعتها، وأيد تمتد للمصافحة وأخرى تغدر في الظلام، ومشروعات إقليمية تبحث عن موطئ نفوذ ولو كان الثمن حرمان اليمن من استعادة دولته، وتهديد أمن الخليج، أو إبقاء العالم العربي في دوامة الاستنزاف والتفتيت والتشريد.

لقد أصبح الصراع بين الشرعية والحوثي في اليمن اختبارا حقيقيا لضمائر المتدخلين الساعين إلى تقويض مؤسسات الدولة لصالح جماعة تحكمها البنادق.

فالحوثي يحاول إقناع اليمنيين بأنه سبيل الخلاص، فيما تكشف أحوال البلاد المتردية حقيقة مشروعه الذي ترك الملايين بين ضعف التعليم وتراجع الخدمات الصحية والفقر وشظف العيش.

وكيف لبلد عريق أن يقبل بأن يحكم من كهوف صعدة، أو أن تختزل حضارته في أوامر جماعة مذهبية تستمد قوتها من السلاح وتنفيذ الأجندات؟

ومع تمدد التهديد إلى الممرات المائية وحركة الملاحة الدولية، لم يعد الخطر شأنا يمنيا فحسب، بل أصبح يمس الخليج والعالم العربي ومصالح العالم بأسره.

والأشد إيلاما أن يجد هذا المشروع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من يسهل له الاستمرار رغم شعارات الجيرة والتضامن والمصالح المشتركة.

وقد دفعت المملكة أثمانا مؤلمة ومكلفة، خصوصا حين استهدفت الاعتداءات منشآت حيوية ومرافق مدنية، وامتد أثرها إلى أرواح بريئة كانت تقصد بيت الله الحرام محرمة لله تعالى.

لكن السعودية تدرك أن الألم لا ينبغي أن يتحول إلى ارتباك، وأن حماية الوطن لا تعني التخلي عن الحكمة، وأن القوة الحقيقية لا تكمن في رد الفعل وحده، بل في تقدير العواقب وإفشال المخططات وحماية الوطن والإنسان.

هكذا كانت السعودية؛ تقف إلى جانب الدول حين تحتاج إلى من يساندها، وتسعى إلى استقرار الشعوب لا إلى ارتهانها، فتدعم مؤسسات الدولة لا الجماعات الخارجة عليها.

وقد وقفت مع أشقائها في أزمات عديدة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن بناء الدول أجدى من صناعة الميليشيات.

سعودية عظيمة تدرك أن الاعتداء عليها لا يعني بالضرورة قوة المعتدي، فقد يكون تعبيرا عن مأزق يعيشه، ومحاولة يائسة لتوسيع دائرة الخطر كلما ضاقت أمامه الخيارات.

لكنها، بعقل الدولة، لا تجعل الأمنيات حقائق، ولا تستبدل الحسابات بالشعارات، بل تترك للأفعال نتائجها، وللأيام كشف ما تخفيه الوجوه الخائنة.

كم أنت عظيمة أيتها السعودية. سترمم المطارات، وتبنى المنشآت من جديد، لكن الأوطان لا تقاس بما يصيب حجارتها، بل بما تحمله من ثبات وكرامة وعزة.

وسيظل الأمل معقودا على استعادة شعب اليمن لدولته، وأن يعود جارا آمنا كريما، وأن تنتهي حقبة الخراب التي دفع ثمنها باهظا.

أما السعودية فستبقى، بإذن الله بحكومتها العلية، متمسكة بعقلها وعزتها، تمد يد الخير حيث تستطيع، وتحمي أرضها حين يجب، وتواجه الأخطار بحكمة وقوة.

فالسلام لا يصنعه الاستسلام، والنصر الحقيقي هو أن تنتصر الدولة بعقلها للإنسان، وأن يبقى المستقبل أوسع من كل مؤامرة.