ما وراء المشاريع الكبرى: كيف تبني السعودية محركات اقتصادها الجديد؟
مزيد حجاز7 دقائق للقراءةحجم الخط
في مشهد اقتصادي تتزايد فيه الضغوط الجيوسياسية، وتتغير معه حسابات الاستثمار والتجارة الدولية، شهدت المملكة العربية السعودية خلال سبتمبر الماضي سلسلة من التطورات الاقتصادية اللافتة؛ بدءا من إطلاق شركة «ساحل الخليج للتطوير العقاري»، مرورا بتأسيس شركة «توريد» لتمويل سلاسل الإمداد، وصولا إلى الكشف عن أول طرازات سيارات «سير» الكهربائية. ثلاث خطوات في قطاعات تبدو متباعدة، غير أنها تطرح سؤالا اقتصاديا يتجاوز طبيعة هذه المشاريع وحجم استثماراتها: ما الذي تكشفه عن المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي السعودي؟
تزداد أهمية هذا السؤال في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة، وما فرضته من اضطرابات على التجارة وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، وانعكاساتها على توقعات النمو والإنفاق الحكومي. ففي مثل هذه الظروف، تصبح طبيعة الاستثمارات الجديدة، والقطاعات التي تستهدفها، وقدرتها على توليد قيمة اقتصادية مستدامة، أكثر أهمية من عدد المشاريع المعلنة أو حجم الإنفاق المرتبط بها.
ومن هنا، يمكن قراءة التطورات الاستثمارية الأخيرة باعتبارها امتدادا لتحول أوسع في الاقتصاد السعودي؛ فمن بناء الأصول والبنية التحتية وتأسيس القطاعات الواعدة، إلى تطوير المنظومات الاقتصادية التي تربط بين التمويل والإنتاج والأسواق والطلب المحلي. وهو تحول تبرز أهميته في مرحلة تسعى فيها المملكة إلى تعزيز كفاءة استثماراتها، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، والحفاظ على استدامة النمو في مواجهة التقلبات الخارجية.
من إطلاق المشاريع إلى بناء محركات اقتصادية مترابطة
لا تكمن أهمية إطلاق شركة «توريد» في إضافة شركة جديدة إلى قطاع الخدمات المالية، وإنما في الوظيفة الاقتصادية التي تستهدفها. فمع توسع المشاريع الصناعية والعمرانية والخدمية، تزداد الحاجة إلى حلول تمويلية تتيح للموردين، وخصوصا المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إدارة السيولة وتوفير رأس المال العامل اللازم للاستفادة من فرص التعاقد والنمو.
وتعمل «توريد»، التي أطلقها صندوق الاستثمارات العامة في 20 سبتمبر، على توفير هذه الحلول من خلال منصة رقمية تربط المشترين والموردين والجهات التمويلية، بما يشمل إتاحة السداد المبكر للمستحقات القائمة على فواتير معتمدة. وقد أعلنت الشركة عن اتفاقيات ملزمة مع عدد من البنوك والشركات المحلية. ويعكس ذلك اهتماما بتطوير الأدوات المالية التي تساعد على توسيع مشاركة الشركات الوطنية في النشاط الاستثماري، وتمكينها من الاستفادة من المشاريع الكبرى.
وفي قطاع الصناعة، يحمل الكشف عن أول طرازات سيارات «سير» الكهربائية دلالة مختلفة، تتصل بمحاولة بناء قاعدة صناعية متقدمة تتجاوز عمليات التجميع والإنتاج إلى الهندسة والتصميم والتقنيات وسلاسل التوريد. ووفقا للتقديرات المعلنة، تستهدف الشركة المساهمة بأكثر من 30 مليار ريال في الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2034، إلى جانب تحسين الميزان التجاري وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
وتمثل هذه الأهداف رهانا استراتيجيا على صناعة جديدة، ستعتمد قدرتها على تحقيق العوائد المستهدفة على تنافسية المنتج، ونمو الطلب، وتطوير الموردين المحليين، وكفاءة الإنتاج والتسويق. وهنا تتضح أهمية الانتقال من تأسيس الصناعة إلى بناء منظومتها الاقتصادية القادرة على المنافسة والاستمرار.
أما إطلاق شركة «ساحل الخليج للتطوير العقاري»، لتطوير وجهة سياحية وسكنية على ساحل محافظة الخفجي بمساحة تقارب 20 كيلومترا مربعا، فيقدم نموذجا آخر يقوم على توظيف التنمية العمرانية لتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي. فالمشروع، الذي يستهدف تطوير ثمانية أحياء سكنية ومرافق سياحية وتجارية وخدمية على مراحل، يفتح فرصا للاستثمار في قطاعات متعددة، مستفيدا من الموقع الجغرافي للمحافظة وصلاتها الاقتصادية مع الأسواق الخليجية المجاورة.
وتجمع هذه المبادرات، رغم اختلاف قطاعاتها، فلسفة اقتصادية واحدة: خلق روابط أعمق بين الاستثمارات والأنشطة الإنتاجية والخدمية، بما يوسع الفرص المتاحة للقطاع الخاص، ويزيد قدرة الاقتصاد على توليد القيمة المضافة محليا.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة عند النظر إلى استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026-2030، التي حددت ست منظومات اقتصادية مترابطة. فالمسألة تتجاوز الاستثمار في شركات أو أصول منفردة إلى تطوير بيئات اقتصادية تتكامل فيها الأنشطة والممكنات، من التمويل والتقنية إلى الصناعة والخدمات والبنية التحتية.
التنويع الاقتصادي أمام اختبار الظروف الاستثنائية
تأتي هذه التحولات في وقت يواجه فيه الاقتصاد السعودي، شأنه شأن اقتصادات المنطقة، تحديات مرتبطة باضطرابات التجارة والطاقة وارتفاع مستويات عدم اليقين.
فقد أظهرت تقديرات البيان التمهيدي لميزانية 2027، الصادر عن وزارة المالية في 30 سبتمبر 2026، توقع انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.6% خلال العام الجاري، نتيجة التراجع المتوقع في الأنشطة النفطية بنسبة 21.8%. وفي المقابل، توقعت الوزارة استمرار نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة تقارب 3.2%.
وتبرز أهمية هذه الأرقام في أنها تعكس تباينا بين أداء الأنشطة النفطية وغير النفطية تحت تأثير الظروف الاستثنائية. وهي لا تعني انفصال الاقتصاد غير النفطي عن التطورات الجيوسياسية، بقدر ما توضح أن تنوع الأنشطة الاقتصادية يوفر مصادر إضافية للنمو تسهم في الحد من آثار الصدمات.
ويؤكد هذا الاتجاه تطور مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى تاريخي بلغ 57.3% خلال النصف الأول من عام 2026، وفق بيانات وزارة المالية. كما ارتفعت الإيرادات غير النفطية من نحو 166 مليار ريال في عام 2015 إلى 505 مليارات ريال في عام 2025، بما يعكس توسع مصادر الإيرادات العامة خلال العقد الماضي.
غير أن التقدم في التنويع الاقتصادي يضع أمام المرحلة المقبلة تحديات أكثر تعقيدا، تتصل برفع إنتاجية القطاعات الجديدة، وزيادة مساهمتها في الصادرات، وتوسيع مشاركة رأس المال الخاص، وتقليص اعتماد النمو غير النفطي على الإنفاق الحكومي المباشر. فالاتساع في النشاط الاقتصادي يمثل خطوة أساسية، بينما تتطلب استدامته بناء شركات وصناعات قادرة على توليد الطلب والاستثمار والعوائد في الأسواق المحلية والخارجية.
كيف تقرأ المؤسسات الدولية
هذا التحول؟
في سبتمبر الماضي، ثبتت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني السيادي للمملكة عند «A+» بنظرة مستقبلية مستقرة، رغم توقعها انكماش الاقتصاد الحقيقي بنسبة 0.9% خلال 2026. واستند تقييم الوكالة إلى مجموعة من العوامل، أبرزها مرونة البنية التحتية لصادرات الطاقة، واستمرار زخم الأنشطة غير النفطية، وقوة الأصول المالية الحكومية، وقدرة المملكة على إعادة ضبط وتيرة تنفيذ المشاريع الاستثمارية.
ويحمل هذا التقييم دلالة تتجاوز التصنيف الائتماني نفسه؛ إذ يشير إلى أن القدرة على تعديل الأولويات الاستثمارية وإدارة الإنفاق أصبحت جزءا مهما من تقييم المرونة الاقتصادية والمالية للمملكة.
وفي مايو 2026، أكدت وكالة «موديز» تصنيف المملكة عند «Aa3» بنظرة مستقرة، مشيرة إلى الإصلاحات الهيكلية وتحسن فعالية السياسات والمؤسسات الاقتصادية، ودور نمو القطاعات غير النفطية في تعزيز آفاق التنويع.
أما صندوق النقد الدولي، فقد أشار في تقرير مشاورات المادة الرابعة الصادر في يوليو 2026 إلى مرونة الاقتصاد السعودي في مواجهة تداعيات الصراع الإقليمي، مع تأكيده أن استمرار الاضطرابات يمثل خطرا على التجارة والثقة والنشاط الاقتصادي. وتوقع الصندوق تباطؤ نمو الاقتصاد غير النفطي إلى 2.6% في 2026، قبل ارتفاعه إلى 4.5% في 2027.
ورغم اختلاف تقديرات النمو بين المؤسسات تبعا لتوقيت التقارير والافتراضات المستخدمة، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في الاعتراف بالتقدم الهيكلي للاقتصاد السعودي، مع التأكيد على أهمية الاستدامة المالية ومواصلة الإصلاحات وتعزيز دور القطاع الخاص.
حين تصبح كفاءة الاستثمار جزءا من استراتيجية النمو
لعل أحد أهم التحولات في المرحلة الراهنة يتمثل في العلاقة بين استمرار الإنفاق الاستثماري وإعادة ترتيب أولوياته. فقد أكدت وزارة المالية، في البيان التمهيدي لميزانية 2027، توجه الحكومة لمواصلة تنفيذ المشاريع التنموية والاستراتيجية ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، مع تقدير نفقات العام المقبل بنحو 1.392 تريليون ريال وإيرادات تبلغ 1.202 تريليون ريال، وعجز يقدر بنحو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتكشف هذه التقديرات عن استمرار الحاجة إلى الموازنة بين دعم النشاط الاقتصادي والمحافظة على الاستدامة المالية، خاصة في ظل متطلبات تمويل المشاريع والتعامل مع آثار الظروف الاستثنائية.
وفي هذا السياق، تبرز تصريحات وزير المالية محمد الجدعان بشأن أهمية كفاءة الإنفاق، وأنها لا تعني بالضرورة خفضه، باعتبارها مدخلا لفهم طبيعة السياسة الاستثمارية في المرحلة المقبلة. فمع توسع الاقتصاد وازدياد تنوع قطاعاته، تصبح القدرة على تخصيص رأس المال وفق العوائد المتوقعة والأولويات التنموية عاملا حاسما في نجاح التحول.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة إعادة جدولة بعض المشاريع أو مراجعة وتيرة تنفيذها بالتوازي مع إطلاق شركات واستثمارات جديدة، باعتبارها توجها يسعى إلى الموازنة بين الاستمرار في بناء القطاعات الاستراتيجية والمرونة في إدارة الموارد المالية. ويظل نجاح هذا التوجه مرهونا بقدرة المشاريع على تحقيق العوائد المستهدفة، وجذب التمويل الخاص، وتوسيع المحتوى المحلي، وتعزيز الروابط بين القطاعات الاقتصادية.
ما بعد 2030.. من حجم الاستثمارات إلى جودة النمو
تطرح التطورات الاقتصادية الأخيرة سؤالا مهما عن طبيعة المرحلة التالية من مسيرة التنويع الاقتصادي: كيف يمكن تحويل ما أُنجز من إصلاحات واستثمارات وبنية تحتية إلى منظومة إنتاجية أكثر استقلالا وقدرة على المنافسة؟
وستكون الإجابة مرتبطة بمؤشرات تتجاوز حجم الإنفاق والمشاريع المعلنة، لتشمل نمو الإنتاجية، وحصة الشركات الوطنية في سلاسل القيمة، والقدرة التصديرية للقطاعات الجديدة، ومشاركة القطاع الخاص في الاستثمار والتوظيف، والعوائد الاقتصادية والمالية المحققة.
ولذلك، فإن أهمية المشاريع والشركات التي شهدتها المملكة مؤخرا لا ترتبط بتوقيت إطلاقها في ظل التوترات الجيوسياسية فحسب، وإنما بما تمثله من استثمارات تستهدف تطوير قدرات وممكنات اقتصادية جديدة، وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي في قطاعات ومناطق متعددة.
وقد يكون هذا هو التحول الأعمق في الاقتصاد السعودي اليوم: الانتقال التدريجي من بناء المشاريع التي تفتح مسارات جديدة للنمو، إلى بناء المنظومات التي تمنح هذه المشاريع القدرة على توليد قيمة مستدامة. وفي عالم تتزايد فيه المخاطر، تصبح قوة الاقتصاد مرتبطة بمدى تنوع خياراته الإنتاجية والاستثمارية، وقدرته على توظيف موارده بكفاءة، وتحويل ما يبنيه اليوم إلى مصادر تنافسية للنمو في المستقبل.
