أثناء إعادة مشاهدتي للمسلسل الخليجي «درب الزلق»، لفت انتباهي أن كثيرا من مشاهده تبدو وكأنها تراهن على أبسط أدوات التصوير: كاميرا تتابع الحوار، وتتحرك يمينا ويسارا، فيما يتكفل النص والشخصيات بصناعة المشهد؛ فأطلال الكويت وشوارعها، وحكايات الناس وتحولاتهم، كانت كفيلة بصناعة كوميديا لا نمل العودة إليها بعد نحو نصف قرن. فكيف استطاع نص من زمن مختلف أن يحتفظ بكل هذا الألق، بينما أصبحنا أحيانا بحاجة إلى حملات ضخمة كي نقنع الجمهور بمشاهدة عمل جديد؟

قادني هذا التساؤل إلى مفارقة الإنتاج اليوم؛ فملايين تنفق على التصوير والنجوم والتسويق، قبل أن نتأكد إن كانت الحكاية نفسها تستحق كل هذا! وعلى الرغم من أننا نمتلك مواهب شابة، وتاريخا اجتماعيا وثقافيا غنيا، ومؤسسات رسمية وفرت فرص التدريب والتمكين، أبرزها هيئات وزارة الثقافة، إلا أن المنتج ما زال يلجأ إلى استقطاب مشاهير منصات التواصل كخيار مغر، معتقدا أن جمهورهم سينتقل تلقائيا إلى شباك التذاكر إن أخفق العمل في جذبهم! لكن.. هل نحن نشتري جمهورا للعمل، أم نستأجر انتباها مؤقتا؟

تجربة السينما العالمية تقول إن الطريق ليس واحدا. فيلم الرعب «مشروع ساحرة بلير»، الذي أنتج عام 1999 بميزانية تقدر بنحو 600 ألف دولار، حقق إيرادات عالمية قاربت 248 مليون دولار. لم يكن ذلك دليلا على أن قلة الإنفاق تصنع النجاح، فقد استفاد الفيلم أيضا من تسويق ذكي، لكنه يثبت أن الفكرة القوية تستطيع أن تمنح إنتاجا محدود الموارد حضورا استثنائيا.

فحضور النجم يجذب المشاهد إلى الصالة، لكنه يعجز عن منح الشخصية بعدها الحقيقي، أو خلق حكاية تنبض بروح البيئة وثقافتها. والذاكرة تزخر بالقصص القادرة على إنتاج دراما حقيقية، فالعبرة ليست بغزارة الإنفاق، بل بقدرة النص على ملامسة الوجدان ومفاجأة المشاهد بطرح فكري صادم ومبتكر لم يطرق من قبل.

لسنا أمام مشكلة في حجم الإنفاق، بل في استثمار ينعكس على جودة التنفيذ؛ يبدأ من نص محكم، ويمر باختيار الممثل المناسب، ورؤية إخراجية ناضجة، وينتهي بعمل يستحق ما أنفق عليه.

فالمشكلة ليست في فاتورة الإنتاج، بل في القدرة على تحويل الفكرة إلى تجربة متكاملة. فلدينا المواهب والروايات والممكنات، وما نحتاج إليه هو أن نستثمر فيها قبل أن نستثمر في شراء الانتباه. فالمال يستطيع أن يصنع إنتاجا ضخما، لكن حين يوظف في الفكرة والتنفيذ الصحيح، يستطيع أن يصنع عملا يعيش في الذاكرة لعقود قادمة، كما حصل مع «درب الزلق» وغيره من الأعمال الراسخة.