في صباحٍ بدا كسائر الصباحات رنّ الهاتف في مكتب مدير الجمعية، وجاء من الطرف الآخر صوت أكبر مانحيها مهذباً كعادته يعتذر عن مواصلة الدعم لظروف تخصه. وضع المدير السماعة ببطء والتفت إلى التقرير السنوي الذي ما زال على مكتبه بغلافه اللامع، يحكي عن إيرادات قياسية وبرامج امتدت إلى مدن جديدة، وعن مركز افتُتح قبل أشهر وسط تصفيق الحضور وابتسامات الأطفال. وفي أشهر قليلة تأخرت الرواتب وخرجت رسائل الاعتذار إلى أسر مئات الأيتام، ثم أُطفئت أنوار المركز الذي كان بالأمس عنوان الفرح.
هي قصة تتكرر في قطاعنا الخيري بأسماء وأماكن مختلفة، وتترك في النفس سؤالاً ثقيلاً هو: كيف تتهاوى في أشهر معدودة جمعية كانت أرقامها قبل نصف عام مدعاة للفخر؟ والجواب كامن في طبيعة تلك الأرقام نفسها، فالتقرير السنوي يروي ما دخل الخزينة في عام مضى، ويصمت عن قدرة المنظمة على الوفاء بوعودها في العام الذي يليه.
وخلف كل وعد ينقطع وجهٌ ينتظر؛ ففي الحي الذي أُطفئت فيه أنوار المركز تسكن أم خالد، أرملة كانت تستقبل أول كل شهر كفالة أبنائها الثلاثة، وعليها بنت حساب الإيجار وأقساط المدرسة وما بينهما من تفاصيل العيش، ويوم بلغتها رسالة الاعتذار تداعى ذلك البناء الصغير دفعة واحدة، وتلك هي المفارقة القاسية في العمل الخيري؛ فالعطاء الذي ينقطع في منتصف الطريق قد يجرح المستفيد أعمق مما لو بقي خارج البرنامج منذ البداية.
فالطالب الذي غادر كلية الطب في عامه الثالث خسر سنوات من عمره وحلماً بناه عليها، والمريض الذي توقف علاجه فجأة قد تسوء حاله أسرع من حال من ظل بعيداً عنه. ولعل هذا من أسرار تقديم النبي ﷺ الدوامَ على الكثرة في قوله: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، وقد وصفت عائشة رضي الله عنها هديه في ذلك فقالت: «كان ﷺ إذا عمل عملاً أثبته»، فالجمعية حين تفتح بابها لمستفيد تقطع له عهداً بالاستمرار، وحين تتوسع على موارد متقلبة تضع كل من أدخلتهم على حافة الانقطاع.
والمستفيد أول من يدفع الثمن، ثم تمتد الفاتورة إلى الرسالة نفسها فتتآكل في صمت يصعب أن يُلحظ؛ تخيّل ذلك المدير بعد أشهر من مكالمته الثقيلة جالساً أمام مانح جديد يعرض تمويلاً سخياً لبرنامج بعيد عن تخصص جمعيته ويشترط العمل في منطقة أخرى ولفئة أخرى، وكشف رواتب الشهر القادم يلحّ على ذهنه فيوافق، وتتوالى الموافقات وكل واحدة منها لها ما يبررها في وقتها، حتى يجتمع مجلس الإدارة ذات يوم فيكتشف أن الجمعية التي وُلدت لتعليم الأيتام صارت توزع سلالاً غذائية موسمية لأن المال توافر لهذا النشاط، وأن الحلم الذي اجتمع عليه المؤسسون صار خليطاً من المشروعات يحكي رغبات الممولين.
وفي السيرة مشهد يختصر هذا المعنى حين كان النبي ﷺ يعرض دعوته على القبائل في مواسم الحج وهو أحوج ما يكون إلى النصير، فلما اشترط عليه بنو عامر بن صعصعة أن يكون لهم الأمر من بعده إن هم نصروه قال: «الأمر لله يضعه حيث يشاء»، ومضى يطلب نصرة تحفظ للرسالة جوهرها. أما المنظمة المستدامة فتجلس إلى المانح مرفوعة الرأس، تقبل ما يخدم رسالتها وتعتذر بلطف عما يبعدها عنها، وتحاوره بصفته شريكاً في الغاية، وتمنحها هذه الحرية أثمن ما تملكه مؤسسة، وهو أن ترفع بصرها إلى ما هو أبعد من عامها الجاري.
وهنا ينهض سؤال محرج: ماذا يفعل المدير إذا وقف بين بابين، باب تمويل يشترط ما لا تريده الجمعية وباب مستفيد ينتظر كفالته؟ يقول أحد مديري الجمعيات: «حين تأتيني منحة بشرط لا أفكر في الرسالة أولاً، أفكر في الرواتب التي لم تُصرف، فأم خالد لا تنتظر فلسفتي الإدارية». وهذا حق مشروع، فالجوع لا يحتمل التأجيل، والطفل الذي انقطع عن الدراسة لا يعنيه أن الجمعية حافظت على رسالتها. لكن المفارقة أن هذا القبول المتكرر هو نفسه الذي يخلق الحاجة التي يُخشى منها؛ فكل تنازل عن الرسالة يجعل الجمعية أقل قدرة على الوفاء بوعودها الأصلية، وأقل جاذبية للمانح الذي يبحث عن أثر حقيقي. فالمدير بين مطرقة الحاضر وسندان المستقبل، والاستدامة ليست ترفاً بل ضرورة لمن يريد أن يبقى حاضراً.
فالمنظمة التي تعيش عاماً بعام تتنفس بنَفَس قصير بحملة في رمضان، ومشروع ينتهي بانتهاء منحته، وموظف كفء يرحل لأن عقده ارتبط بتمويل انقضى. والمنظمة المستدامة تملك ترف الصبر، فتصحب أسرة أم خالد سنوات حتى يشتد عود أبنائها وتستغني الأسرة عن المساعدة، وترعى الطالب من صفه الأول حتى يقف يوم تخرجه مرفوع الرأس، وتحتفظ بموظفيها لأنها تمنحهم عقوداً مستقرة وأفقاً للنمو، فتتراكم الخبرة في جنباتها كما تتراكم طبقات البناء المتين.
فالمانح الكبير يسأل نفسه قبل أن يعطي: هل سيبلغ مالي غايته؟ وهل ستبقى هذه الجمعية بعد خمس سنوات لتكمل ما بدأته؟ والجهة المشرفة تطمئن إلى المنظمة المستقرة حين تطلب ترخيص برنامج جديد، والشركة التي تبحث عمن يحمل برامج مسؤوليتها الاجتماعية تختار شريكاً تأمن بقاءه حتى نهاية الشراكة. وهكذا تدخل المنظمة المستدامة دائرة من الخير يغذي بعضها بعضاً؛ فالاستقرار يجذب الموارد، والموارد تزيدها استقراراً. وتدور المنظمة الهشة في الدائرة المعاكسة، تلهث خلف التبرعات لتسد عجزها، فيقرأ المانحون في لهاثها علامة ضعف فيترددون فيتسع العجز.
أي الدائرتين تدور فيها منظمتك؟
كثيراً ما أطرح هذا السؤال على مديري الجمعيات فيأتيني الجواب في صورة رقم: إيراداتنا في العام الماضي تجاوزت كذا مليوناً، والرقم صادق، وقد كان رقم جمعيتنا صادقاً كذلك قبل أن يرن الهاتف. ولذلك أتبعه بسؤال أدق: لو توقفت مواردكم الجديدة صباح الغد كم شهراً تبقى أبوابكم مفتوحة للمستفيدين؟ ومن أكبر مانحيكم؟ وماذا يحدث لو اتصل بكم معتذراً كما اتصل ذلك المانح؟ عندها يأخذ الحوار وجهة أخرى، فتنكشف الإيرادات الكبيرة عن مانح واحد يحملها، أو عن قيود تربطها بمشروعات محددة، أو عن التزامات ثابتة تستهلكها، ويظهر المقياس الحقيقي لقوة المنظمة: قدرتها على الصمود.
وبهذين السؤالين تعرف المنظمة موقعها على طريق له ثلاث محطات؛ في أولاها تعيش على البقاء، ينتظر مديرها التبرع القادم ليسدد الالتزام القادم، ويقضي أواخر الشهور في حساب ما يكفي وما ينقص. وفي الثانية تنتظم السيولة وتُصرف الرواتب في مواعيدها، ويلتقط الفريق أنفاسه، ويبقى اتصال واحد من مانح كبير قادراً على هز البناء كله كما جرى في قصتنا. وفي الثالثة تبلغ المنظمة الاستدامة فتملك موارد متنوعة واحتياطياً يقيها تقلبات الأيام وتستقبل السنوات القادمة بطمأنينة. ومعرفة المحطة بصدق -ولو كانت الحقيقة مُرّة- أول خطوة في كل إصلاح، والطريق إليها قريب؛ فقوائم السنوات الثلاث الأخيرة تكشف الاتجاه، وسجلات المانحين تكشف مدى ارتهان المنظمة لعدد قليل منهم.
والانتقال بين المحطات يحتاج إلى بيت يقوم على أعمدة أربعة؛ أولها موارد متنوعة تتوزع بين أفراد ومؤسسات وتبرعات منتظمة وأخرى موسمية ودخل ذاتي من خدمات أو استثمارات، فإذا غاب مصدر سدّ غيره مكانه. وثانيها توازن التكاليف، فتُبنى الالتزامات الثابتة كالرواتب والإيجارات على الموارد المضمونة ويُترك التوسع للموارد المتغيرة. وثالثها أصول تحمي المنظمة؛ تبدأ باحتياطي نقدي يغطي أشهراً من التشغيل، وتمتد إلى أوقاف وأصول مدرّة للدخل.
وهنا يلتقي التخطيط المالي الحديث بهدي نبوي قديم يوم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى النبي ﷺ وقد أصاب أرضاً بخيبر هي أنفس ماله عنده يستشيره فيما يصنع بها فقال له: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، فصار هذا المبدأ (أصلٌ يبقى وثمرة تُنفق) قاعدة سارت عليها الأوقاف قروناً، تنفق على المدارس والبيمارستانات والسقايات جيلاً بعد جيل. ومن شواهدها عين زبيدة؛ القناة التي أجرتها زبيدة زوج هارون الرشيد لتحمل الماء إلى مكة والمشاعر، فظلت تسقي الحجاج قروناً طويلة بعد رحيل صاحبتها شاهدة على بصيرتها. ويكتمل البيت بإدارة مالية تخطط وتراقب وتضع أمام صاحب القرار صورة صادقة في وقتها. وهذه الأعمدة يسند بعضها بعضاً، فإذا مال أحدها مال البيت كله.
ويبقى سؤال: من يرفع هذه الأعمدة؟ إنه مجلس الإدارة؛ فتخصيص نسبة من كل فائض للاحتياطي، وتحويل جزء من التبرعات إلى وقف، والاعتذار عن مشروع مغرٍ يبعد الجمعية عن رسالتها؛ كلها قرارات تحتاج إلى مجلس يمد بصره أبعد من موازنة العام، والمفارقة أن أنسب أوقاتها سنوات الوفرة حين تبدو الحاجة إليها بعيدة، ويبدو الحديث عن الشدة تشاؤماً متعجلاً.
وفي قصة يوسف عليه السلام الدرس كله؛ سبع سنين من الخصب تُرك فيها الحصاد في سنبله، فكانت عُدّة مصر في سبع شداد أتت على ما ادُّخر لها وخرج الناس منها سالمين. ولو اتخذت جمعيتنا هذه القرارات في عامها القياسي لاستقبل مديرها تلك المكالمة بقلب مطمئن، ولوجد احتياطياً يحمي رواتب موظفيه ووقفاً يحفظ كفالة أم خالد وأبنائها، ولبقيت أنوار المركز مضاءة؛ فالاستدامة قرار يُتخذ في سنوات الوفرة وتجني المنظمة ثماره في سنوات الشدة، ويجنيه معها كل من وثق بها وانتظر عطاءها.
إيرادات قياسية واستدامة على حافة الانهيار!!
علي شيخون
6 دقائق للقراءة
حجم الخط
شارك هذا المقال
