في رواية تدور أحداثها خلال الحرب العالمية الثانية، كان هناك طيار أمريكي يدعى يوساريان، يخوض مهمات جوية خطرة، ويخشى أن يفقد حياته في إحداها. أراد الرجل أن يتوقف عن الطيران، فاكتشف أن هناك قاعدة تسمح بإعفاء الطيار إذا ثبت أنه يعاني اضطرابا عقليا. بدا الأمر مخرجا مناسبا، لكن المفاجأة كانت في الشرط؛ فعليه أن يطلب الإعفاء بنفسه، وإذا طلبه عد طلبه دليلا على سلامة عقله؛ لأن الإنسان العاقل يخشى الموت ويسعى إلى النجاة! وهكذا وجد نفسه أمام مأزق عجيب: إذا طلب الإعفاء حرم منه لأنه عاقل، وإذا لم يطلبه فلن يعفى لأنه لم يتقدم بطلب. وفي الحالتين، عليه أن يواصل الطيران!

هذه المفارقة الساخرة صورها الروائي الأمريكي جوزيف هيلر في روايته الشهيرة (كاتش 22)، الصادرة عام 1961، والمعروفة عربيا أيضا بعنوان (الخدعة 22)، وقد تجاوزت شهرتها عالم الأدب، وأصبحت تعبيرا عن المواقف التي يبدو فيها الحل متاحا، لكن شروط الوصول إليه تجعل الحصول عليه مستحيلا.

وإذا تأملنا حياتنا اليومية، وجدنا أن للمادة 22 صورا كثيرة، وإن لم تحمل اسمها. فقد يطلب منك أحدهم أن تصارحه برأيك، ويؤكد أنه يحب الصراحة، فإذا قلت رأيك غضب، وإذا جاملته اتهمك بعدم الصدق، والمطلوب منك في النهاية أن تقول الحقيقة، بشرط أن تكون الحقيقة التي يريد سماعها! وهكذا يصبح الصدق فضيلة عظيمة، ما دام لا يزعج أحدا.

وفي عالم الفرص، قد يطلب من الشاب أن يقدم خبرة سابقة حتى يحصل على فرصته الأولى، فإذا سأل كيف يكتسب الخبرة دون أن يعمل، قيل له إن العمل يحتاج إلى خبرة! وهكذا يظل يبحث عن فرصة تمنحه الخبرة، بينما تغلق الفرص أمامه لأنه لا يملكها، وربما كان الحل أن يولد الإنسان وفي سيرته الذاتية عشر سنوات من الخبرة، توفيرا للوقت والجهد!

وقد نصنع لأنفسنا مآزق مشابهة؛ فيقول أحدنا إنه لن يبدأ مشروعه حتى يكتسب الثقة، لكنه لن يكتسب الثقة حتى يخوض التجربة، ويؤجل خطواته انتظارا للظروف المناسبة، مع أن الظروف لن تتحسن ما لم يبدأ، فيظل مستعدا للبداية سنوات طويلة، حتى يصبح الاستعداد نفسه أهم إنجازاته!

والأغرب أننا قد نعتاد هذه المآزق حتى نتوقف عن ملاحظة تناقضها، فننشغل بمحاولة استيفاء الشروط، وننسى أن نسأل عن معقوليتها، فمن يطالبك بإحضار مفتاح موجود خلف باب مغلق، قد يقنعك بعد مدة بأن مشكلتك ليست في الباب، وإنما في ضعف مهارتك في البحث عن المفاتيح!

وهنا تكمن براعة (المادة 22)؛ فهي لا تمنعك من الوصول إلى الحل صراحة، وإنما تضع أمامك شرطا لا تستطيع تحقيقه إلا بعد أن تصل إليه. إنها تمنحك حق الخروج، ثم تطلب منك إثبات أنك خرجت حتى تسمح لك بالخروج، وكلما حاولت الامتثال لها، ازددت اقتناعا بأنك أنت المشكلة!

ولعل أخطر ما في هذه المفارقة أنها تمنح التناقض مظهر المنطق، حتى يصبح الاعتراض عليه دليلا على عدم فهمه. وهكذا تتحول القاعدة من وسيلة لحل المشكلة إلى سبب لاستمرارها، بينما يواصل الإنسان الدوران داخلها، معتقدا أن المحاولة التالية ستوصله إلى المخرج. وأحيانا يبدأ الحل حين نتوقف عن محاولة استيفاء الشروط، ونتأمل المنطق الذي أنتجها؛ فقد نمضي أعمارنا في البحث عن إجابات صحيحة لأسئلة صيغت بطريقة خاطئة.

أما إذا حاولت شرح (المادة 22) لأحدهم، فقال لك إن فهمها يحتاج إلى أن تقع فيها أولا، ثم أخبرك أنك ما دمت قد فهمتها فلست واقعا فيها، فابتسم؛ لقد وجدت (المادة 22) بنفسها، دون أن تحتاج إلى قراءة الرواية!