ليست الحرب في اليمن صراعا واضح المعالم بين شرعية سياسية وجماعة متمردة، كما قد يبدو للمتابع من بعيد؛ بل هي مستنقع تتداخل فيه المصالح، وتتشابك داخله الحسابات المحلية والإقليمية، وتختبئ عند أطرافه أيد لا ترغب في تجفيفه، لأن بقاءه مفتوحا يحقق لها مكاسب لا يمكن أن تنالها في يمن مستقر، مستقل القرار، قادر على حماية حدوده ومقدراته.

لقد كشفت تقارير الأمم المتحدة عن استمرار تدفق الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج إلى الحوثيين، وعن تنوع شبكات الإمداد والتدريب وجلب المرتزقة، التي تسهم في إطالة أمد الصراع.

وهذه ليست مجرد اتهامات سياسية عابرة، بل مؤشرات موثقة تؤكد أن الحوثي لا يستمد قوته من الداخل وحده، وأن وراء قدراته العسكرية مسارات دعم ومؤامرات تتجاوز حدود اليمن.

والأخطر من ذلك أن بعض مسارات الدعم تتماهى مع مشروع الحوثي في النتائج، وإن لم تعلن توافقها معه في الأهداف.

وفي المقابل، لم تكن الشرعية اليمنية طوال سنوات الصراع كتلة متماسكة كما يفترض بها أن تكون؛ فقد أثقلتها الانقسامات، وتنازعتها الولاءات، وتشابكت داخلها الحسابات السياسية والمناطقية والمذهبية.

كما أن استمرار الحرب تحول لدى بعض الأطراف إلى فرصة للإثراء أو توسيع النفوذ.

وهكذا وجدت المملكة العربية السعودية نفسها أمام معارك مختلفة: معركة ضد الحوثي، وثانية في مواجهة اختلالات الصف اليمني، وأخرى ضد التدخلات الخارجية التي تعقد طريق الحل.

إن هذا المستنقع محاط بكثير من الشرور؛ فليس كل من يرفع شعار الصداقة يعمل بالضرورة لمصلحة اليمن أو المملكة.

والمتداخلون في المشهد يتحركون وفق مصالحهم الخاصة، ويجيد بعضهم العمل في الظل، بينما يدفع اليمنيون ثمن هذه التناقضات يوما بعد آخر، ويدفع الخليج والتحالف معه كلفة اتساع المخاطر وتنامي التهديدات.

أما الشعب اليمني، فقد أصبح الضحية الأكبر لحرب لا تنتهي، وفوضى، واقتصاد يتآكل، وجوع ينهش حياة الملايين، ومرض يزيد المآسي قسوة واتساعا. وكل ذلك عوامل تضعف تماسك المجتمع، وتجعله أكثر هشاشة أمام قوى التجنيد والاستقطاب، وتمنح المتاجرين بالصراع فرصا جديدة للتدخل والسيطرة.

كما أن الاعتداءات والهجمات التي تنسب إلى الحوثيين تؤكد أن تداعيات الأزمة اليمنية لا تقف عند حدود اليمن، بل تتجاوزها إلى أمن المملكة والخليج والملاحة الإقليمية.

ولذلك فإن استمرار النزاع لم يعد شأنا يمنيا داخليا فحسب، بل قضية أمن إقليمي تمس استقرار المنطقة بأسرها.

والمطلوب اليوم ليس مزيدا من الدعم بلا مراجعة، ولا مؤتمرات جديدة بلا محاسبة؛ بل قراءة دقيقة لموازين القوى، وكشف شبكات التمويل والتسليح، وإلزام مكونات الشرعية بوحدة القرار والولاء الوطني، ومنع أي طرف من استثمار التحالف لتحقيق أجندته الخاصة.

فاليمن ليس ساحة لتصفية الحسابات، والسعودية ليست مطالبة بأن تتحمل وحدها كلفة إنقاذ جار يخذله بعض أبنائه.

وإن تجفيف هذا المستنقع يبدأ بكشف الأيدي التي تغذيه، ومحاسبة من يطيل عمر الصراع، وبناء شراكة يمنية صادقة تدرك أن أمن اليمن من أمن السعودية، وأن انتصار الحوثي لن يكون نهاية الأزمة، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة أشد خطرا على المنطقة، وأمن من يتآمرون.