ليس كل من يحاول إصلاح بيت جاره يخرج من المحاولة بلا خدوش.

السعودية التي تحاول منع انهيار اليمن، الدولة المجاورة لحدودها، والحيلولة دون سقوطه فريسة لقوى خارجية، تجد نفسها هدفا لأدوات الفوضى التي تحاول إخافتها وثنيها عن مواصلة دورها.

والمملكة العربية السعودية لا تنظر، ولم تنظر يوما، إلى اليمن باعتباره ساحة حرب مباحة، ولا ترى ما يعتريه من اضطراب وفوضى أمرا يمكن تأجيله.

إنها تنظر إلى التلاحم التاريخي والشعبي بين البلدين باعتباره ضرورة لاستقرار اليمن، وامتدادا طبيعيا لأمنها، ومصلحة يمنية أولا، ثم مصلحة سعودية وخليجية وإقليمية لا بد من المحافظة عليها.

نعم، إن ما تتعرض له المملكة من اعتداءات بالصواريخ والمسيرات الحوثية يمثل تحديا أمنيا قائما، لكنه لا ينبغي أن يصرفها عن تبني الجهود الرامية إلى إصلاح أحوال اليمن واستعادة استقراره.

وقد وثق مجلس الأمن والأمم المتحدة خلال الأشهر الماضية استمرار الهجمات الحوثية العابرة للحدود على المملكة، وتأثير بعضها في المنشآت المدنية والطاقة، وسقوط ضحايا من المدنيين، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة إلى إدانة تلك الهجمات مرارا والدعوة إلى وقف التصعيد واحترام القانون الدولي الإنساني.

وفي الثامن من أكتوبر، أعلنت السعودية أن الحوثيين أطلقوا صاروخا باليستيا باتجاه مطار الملك خالد في الرياض، بعد هجمات سابقة استهدفت مطارات ومنشآت سعودية.

من هنا، لا تبدو المملكة أمام خيار بين الأمن والسلام، بل أمام ضرورة الجمع بينهما.

وكان لا بد لها من أن تكون مستعدة لحماية مدنها ومطاراتها ومنشآتها، وأن تطور قدراتها في الإنذار المبكر والرصد والمراقبة، بما يتيح اكتشاف التهديدات والتعامل معها قبل أن تتحول إلى كوارث.

كما أن الردع العسكري، حين يكون ضروريا، يظل عملا منضبطا يستهدف مصادر التهديد، دون الانزلاق إلى حرب انتقامية مفتوحة.

ويتصور خصوم المملكة أن أي ضربة تنجح في تجاوز الدفاعات الجوية السعودية ستدفعها إلى التراجع عن دورها في حماية اليمن، غير أن الواقع يقول إن العكس هو الصحيح.

فالدولة الكبرى لا تقيس مسؤوليتها بحجم الأذى الذي قد تتعرض له، وإنما بقدرتها على الاستمرار في حماية مصالحها ومصالح جوارها، ومنع التدخلات الخارجية دون أن تفقد بوصلتها.

والسعودية تزداد قوة يوما بعد يوم، ويظل هدفها إنقاذ اليمن قبل أن يصبح رهينة للسلاح الخارجي، والفكر المتطرف، والأموال التي تؤجج الصراع وتهجر شعبه وتستنزف موارده.

والأمم المتحدة نفسها حذرت مرارا من الهجمات الحوثية العابرة للحدود وما تسببه من تهديد للاستقرار الإقليمي، فيما تؤكد مواقف دولية أن حماية السعودية لجوارها لا تتعارض مع السعي إلى تسوية سياسية داخلية.

فالسلام الذي تنشده المملكة لا يمكن أن يكون هدنة مؤقتة تتيح للحوثيين إعادة بناء قدراتهم ثم العودة إلى التصعيد.

أما السلام الحقيقي، فهو أن يصبح اليمن لليمنيين، وأن تتوقف أراضيه عن أن تكون ممرا للسلاح أو منصة لمشروعات النفوذ على حساب كيانه ومستقبله.

قد تدفع المملكة بعض ثمن هذا الطريق، وقد تتعرض لاعتداءات مؤلمة، لكنها تدرك أن ترك اليمن للفوضى سيكون ثمنه أكبر.

ولهذا فإن حماية السعودية لا تتناقض مع إنقاذ اليمن؛ فالسلام الذي لا يحمي الجار ليس سلاما كاملا، والردع الذي لا يقود إلى سلام مستدام ليس حلا دائما.