من أجمل ما سمعت من أستاذنا الجليل، فضيلة الشيخ اللواء الدكتور أحمد طلبة، أستاذ علوم القراءات والتجويد؛ أنه مر في حياته بثلاث مراحل: المعاناة، ثم التعود، ثم الاستمتاع؛ وهي خلاصة تسعين عاما من التجارب مع الظروف التي أوجعته، حتى عود نفسه عليها، ثم استمتع بها؛ فألهمتني أن أخصص مقالي للكتابة عنها.

في مرحلة المعاناة، كثيرا ما يشعر الإنسان بثقل ما أصابه؛ فمثلا: المرض بعد العافية يوقظ مخاوفه، والفقد وموت العزيز يحول تفاصيل مألوفة عنده إلى مصدر للحزن؛ وقد تتزاحم على الإنسان الأسئلة، ويطول انشغاله بما وقع، حتى لا يرى من حياته إلا موضع الألم؛ وهو شعور إنساني معلوم، يحتاج صاحبه إلى التفهم والمواساة، وإلى وقت يستوعب فيه ما تغير.. قال شريح القاضي، فيما ذكره عنه الإمام التنوخي في كتاب «الفرج بعد الشدة»: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني، ولا شك أنها نظرة تعين الإنسان على حمل معاناته دون أن تظلم عليه حياته.

ثم تأتي مرحلة التعود، فيألف الإنسان ما كان يفزعه، ويتعلم كيف يمضي يومه مع وجوده؛ فالمريض الذي كان يضيق بمواعيد علاجه، وبما تغير من عاداته، يصبح أعرف بحاله، وأقدر على تنظيم حياته؛ ومن فقد عزيزا يتعلم مع بقاء الحزن كيف يستأنف أعماله، دون توقف عند لحظة الغياب، ومع التكرار يزداد تعودا بأن الصحة والمرض، واللقاء والفراق، من أحوال الحياة التي تتقلب بالناس؛ فتخف حدة الاعتراض، وتستوي الأمور عند استقبالها، ويفرح بالعافية ويطلبها، ويتألم للمرض ويتداوى منه، ولا يجعل طمأنينته معلقة على دوام الحال التي يحبها؛ فيشكر حين يعطى، ويصبر حين يمنع، ويواصل ما يستطيع من عمل، ويفهم حينها الحكمة الشهيرة للشيخ ابن عطاء الله السكندري «متى أعطاك الله أشهدك بره، ومتى منعك أشهدك قهره؛ فهو في كل ذلك متعرف عليك، ومقبل بوجوه لطفه عليك؛ وإنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه»؛ ومعناها أن حكمة الإدراك قد تبقى خافية، لكن القلب يطمئن إلى أن لله، سبحانه وتعالى، في تدبيره علما ورحمة لا يحيط بهما الإنسان.

وأخيرا، يبلغ الإنسان مرحلة الاستمتاع؛ فيجد سروره فيما أثمرته التجربة؛ يستمتع بما اكتسبه من صبر، وما انفتح له من أبواب الرحمة والعطاء؛ وكما ذكر الإمام ابن رجب الحنبلي: «كان عمر بن عبد العزيز يقول: أصبحت ومالي سرور إِلا في مواضع القضاء والقدر»؛ وهذه طمأنينة تنمو حين يسلم الإنسان قلبه لله، سبحانه وتعالى، ويحسن السعي فيما يقدر عليه، وعندها سيجد متعته في مجلس طيب، أو عمل نافع، وسيشعر بقيمة أي أمر مهما كان صغيرا، وستنشأ معه معانٍ تمنح الحياة سرورها، وتجعل التجربة بابا للنفع والقرب والرضا..

أختم بأن الأحوال في هذه الدنيا تتداخل كثيرا، وقد تعيدنا شدة جديدة إلى المعاناة القديمة؛ ولعل أجمل ثمرات التجربة أن نألف تقلب الحياة، ثم نطمئن إلى تدبير الله فيها، حتى نجد فيما كنا نعانيه ما ينضج نفوسنا ويزيدنا رضا؛ وعندها، فقط، سندرك كيف يعاني الإنسان، ثم يتعود، ثم يستمتع؛ وسندرك أن الاستمتاع ثمرة قلب تعلم كيف يصبر، وكيف يرضى ويسلم، ثم سنفهم تأكيده جل جلاله لخير خلقه، صلى الله عليه وسلم، وتسليته لمن سيأتي من بعده: {إِن مع العسر يسرا}.