للأوطان أبناء وللدول أعداء، وبين الطرفين تبدأ الحكاية الحقيقية للانتماء؛ فالوطن لا يصبح وطنا لأن حدوده مرسومة على الخريطة، وإنما لأن وراء هذه الحدود بشرا يشعرون أن ما يحدث لأرضهم يمسهم، وأن حماية وطنهم ليست مهمة جهة بعينها، بل غريزة جماعية لا تحتاج إلى تعليم، وثمة بلدان لا تمر في الوعي الإنساني مرورا عابرا، والسعودية واحدة منها، يكفي أن يذكر اسمها حتى تتبدل نبرة الحديث؛ فهناك من يستقبله بمودة تلقائية، ومن يستقبله بحساسية، ومن يحمل تجاهه حكاية شخصية لا يعرفها أحد، وليس غريبا أن تكون المشاعر نحو بلد بهذه الخصوصية شديدة التباين؛ فبعض الأوطان ترى بالعين، بينما ترى السعودية في وجدان كثيرين بمعان تتجاوز حدود الجغرافيا، من يحب السعودية قد لا يستطيع دائما أن يشرح سبب محبته شرحا منطقيا، ربما لأنها ارتبطت في ذاكرته بزيارة، أو بعمرة، أو بإنسان سعودي ترك أثرا طيبا، أو بصورة تشكلت في طفولته ولم تتغير، وربما أحبها لأنها كانت بالنسبة إليه بلدا قريبا، حتى وإن لم تطأ قدماه أرضها، هناك مشاعر لا تبدأ من المعلومات، بل من الذاكرة، والذاكرة لا تحتاج إلى منطق كي تتعلق.
محبو الوطن ليسوا أولئك الذين يرددون اسمه كثيرا، وإنما الذين يصبح خيره جزءا من خيرهم، وأمنه جزءا من أمنهم، ومستقبله امتدادا لمستقبل أبنائهم، هؤلاء قد يختلفون في كل شيء تقريبا، لكنهم حين يتعلق الأمر بوطنهم يعرفون أن هناك لحظة يجب أن تسقط فيها الحسابات الصغيرة أمام المعنى الأكبر، نحن جميعا في المركب نفسه، أما أعداء الوطن فلا يحتاجون دائما إلى مواجهة مباشرة، أحيانا يكون أقصى ما يتمنونه أن يفقد أهل البلد ثقتهم ببعضهم، وأن يتحول الاختلاف الطبيعي بينهم إلى خصومة، والخصومة إلى كراهية، والكراهية إلى رغبة في رؤية الوطن ضعيفا أو منهارا، فالعدو الذكي لا يضيع وقته دائما في هدم الجدران من الخارج، إذا استطاع أن يقنع من في الداخل بأن هدمها مصلحتهم، ولهذا تصبح الشائعات، والتحريض، وتزييف الحقائق، وإثارة الفتن، أخطر حين تجد مجتمعا فقد قدرته على التماسك وهو ما لم ينجح مع المملكة.
والمؤلم أن العدو لا يحتاج إلى أن يحب أحدا أو يكرهه شخصيا، يكفيه أن ينجح في تحويل الوطن إلى فكرة قابلة للكراهية، وأن يجعل أهله ينظرون إلى كل أزمة باعتبارها فرصة للشماتة، أو إلى كل نجاح باعتباره شيئا يجب إنكاره، عندها يصبح الانتماء عبئا، ويصبح التكاتف سذاجة في نظر البعض، بينما تتحول الفوضى إلى انتصار متوهم، لكن الوطن لا يحمى بالخوف وحده، ولا بالشعارات وحدها، يحمى بوعي أهله بأن اختلافهم لا يلغي اشتراكهم في المصير، وأن ما يضعف بلدهم لن يتوقف عند خصم يكرهونه، بل سيمتد إليهم وإلى أولادهم وإلى كل من لا ذنب له في الصراع.
قد يختلف أبناء الوطن في الرأي، لكنهم يستطيعون أن يتفقوا على حمايته، وقد يتجادلون حول الطريق، لكن لا ينبغي أن يختلفوا حول الوجهة، أن يبقى الوطن آمنا، متماسكا، قادرا على الوقوف أمام من يتمنى سقوطه، وهنا يظهر معدن الشعب السعودي، ففي الرخاء، الجميع قادرون على الحديث عن الوطن، أما في لحظات الخطر، فتظهر حقيقة الانتماء، هل يتجمع أهله حوله، أم يسمحون لمن يتربص به أن يجد بينهم ثغرة؟
الوطن في النهاية ليس مسؤولية من يحكمه وحده، ولا مسؤولية جيش أو مؤسسة أو فرد، الوطن مسؤولية أهله جميعا؛ لأن العدو قد يملك المال والإعلام والنفوذ، لكنه لا يستطيع أن ينتزع وطنا من أهله ما دام هؤلاء يعرفون قيمة ما يجمعهم، ولهذا فإن أقوى رسالة يمكن أن يوجهها شعب إلى من يتمنى سقوط بلده ليست الصراخ، ولا التهديد، ولا تبادل الاتهامات، وإنما أن يبقى متماسكا، فالأوطان لا يهزمها عدو يكرهها ما دام أهلها يحبونها بما يكفي كي لا يتركوا له بابا يدخل منه.
NevenAbbass@
الوطن بين محبيه وكارهيه
نيفين عباس3 دقائق للقراءةحجم الخط
