في يوم المعلم، قام أكثم بن صيفي، حكيم العرب، بزيارة إحدى المدارس، ففرح المعلمون والطلاب بلقياه، واجتمعوا حوله، وطلب منه المعلمون والطلاب كلمة بهذه المناسبة.

فقال المعلمون: نريد كلمة خاصة بالمعلمين.
وقال الطلاب: ونحن نريد كلمة لنا وللجميع.

فرفض المعلمون أن تكون الكلمة للطلاب، وأصر الطلاب أن تكون الكلمة للجميع، فحصل هرج ومرج، وكثر الأخذ والرد، واللت والعجن، وبدأت أول معركة في يوم المعلم قبل أن تبدأ كلمة المعلم!

نظر أكثم إليهم، وسكت قليلا، ثم قال: سأكلم المعلمين على حدة، وأما الطلاب فيأخذون الحكمة من معلميهم؛ فإن صلح المعلم، صلح ما بعده، وإن اختلف المعلمون على كلمة، فكيف نطلب من الطلاب أن يتعلموا فن الاختلاف؟

ثم قال: إنكم لن تستطيعوا تطبيق ما سأقوله كله، ولكن إن أخذتم ببعضه أفلحتم في إدارة المعارك كل صباح إن صح تسميتها بالمعارك! فمن أخفق في بعضها ناله شيء من الجراح، ومن أكثر المناوشات كثرت عليه الإصابات، وهكذا هي المداولات والمشادات، لا تخلو من منتصر ومهزوم، وفائز وخائب، وجارح ومجروح.
قالوا: أعطنا ما عندك.
قال: أولا: أقلوا الخلاف على مرؤوسيكم، ولا تجعلوا كل مخالفة معركة، وكل كلمة قضية، وكل حركة تستحق محضرا وتحقيقا.

واعلموا أن كثرة الصياح والصراخ في إدارة الصف علامة على الفشل؛ فالمعلم الذي لا يسمعه طلابه إلا إذا رفع صوته، كمن يريد أن يقود القطيع بالبوق، فإذا تعب حلقه ظن أن المشكلة في الطلاب!

وإذا حصلت مشادة بينك وبين أحد الطلاب، فعززت وشددت، ثم أحسست منه الرجوع فهن، ولا تكسره. فإذا عز أخوك فهن؛ فليس المقصود من الحزم أن تجعل الطالب خصما مهزوما، وإنما أن تحفظ هيبة المعلم وهيبة الطالب كذلك.

ثم اعلم أن القوة ليست دائما هي الانتصار؛ فقد يكون الثبات والأناة أمام بعض التصرفات، وخاصة التصرفات النشاز من بعض الطلاب، أفضل من القوة والكسر. أحيانا يكون أقوى رد على الطالب أن تنظر إليه وتسكت، فيعرف أنك رأيت، وأنك فهمت، وأنك تستطيع، لكنك اخترت ألا تفعل.

وعليك بالحزم في موضعه، واللين في موضعه؛ فلا تكن حازما طول الدرس حتى يظن الطلاب أنك قادم من ثكنة عسكرية، ولا لينا طول الدرس حتى يظنوا أن الحصة استراحة مفتوحة!

وإياك والعجلة في إعطاء الأوامر والنواهي، فإن العجلة تورث الندامة. لا تحكم وأنت غاضب، ولا تعاقب وأنت منفعل، ولا تعط أمرا لا تستطيع التراجع عنه. تمهل واهدأ وخذ نفسا؛ فقد يكون الموقف الذي ظننته يحتاج إلى عقوبة، يحتاج إلى دقيقة صمت فقط.

يا قوم، تثبتوا؛ فإن أحزم الفريقين الرَّكين، ورب عجلة تهب ريثا، ولا جماعة لمن اختلف.

وتذكروا أنكم تدخلون الفصول كل صباح إلى معارك صغيرة، وليس المطلوب أن تنتصروا في كل معركة؛ فبعض المعارك يكفي فيها ألا تخسروا المعلم، ولا الطالب، ولا الحصة، ومعركة العلم الفائز والخاسر منتصران.