بقرع مطرقة ثلاثية، احتوت على دمغة سعودية - تركية - باكستانية، تمخضت عن اجتماع رفيع المستوى شهدته الرياض مساء الاثنين الماضي، دخل «اتفاق مكة»؛ الموصوف من قبل عديد من المتابعين والخبراء، بالاتفاق الذي من شأنه ضبط إيقاع المنطقة التي تتزايد اضطراباتها، حيز التنفيذ، في ظل توترات اصطنعتها واقتاتت عليها ميليشيات متطرفة في دول عربية، كلبنان والعراق واليمن، لا مهمة لها أكثر من تنفيذ أجندة ولاية الفقيه، عبر تكريس إزهاق الأرواح، وفرقة وشرذمة أبناء الجلدة، واللغة والدين الواحد.

تنفيذ فوري
وبعيد الاجتماع الثاني للجنة الاستراتيجية والسياسية والدفاعية، والذي شهده وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز، ووزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ومن الجانب الباكستاني نائب رئيس الوزراء محمد إسحق دار، ووزير الدفاع رئيس الأركان المشير عاصم منير، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان ورئيس أركان بلاده، قررت الدول الثلاث؛ قررت اللجنة الانتقال الفوري إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع الجماعي، واتخاذ التدابير اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، وضمان نشرها السريع في المملكة، وفقا للترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية للأطراف، بما يعزز الجاهزية والتكامل العسكري والقدرة الجماعية على مواجهة التهديدات والتصدي لها.

نشر القدرات العسكرية
اللافت في البيان الصادر عن اجتماع اللجنة، هو الحسم السريع، وذا ما يتضح من خلال حسم اتخاذ التدابير اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، وضمان نشرها السريع في المملكة، وفقا للترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية للأطراف، بما يعزز الجاهزية والتكامل العسكري والقدرة الجماعية على مواجهة التهديدات والتصدي لها.

رسالة مرعبة
وانتقال الاتفاق من مرحلة التأسيس إلى التنفيذ، لا سيما في هذه الظروف، ليس موجها لطرف بعينه كالميليشيات العراقية أو جماعة الحوثي الإرهابية، بقدر ما تعنيه الرسالة بمضمونها الشمولي والواسع، والتي أكدت بما لا يدع للشك مجالا، أن أي جهة تراهن على أن السعودية تواجه التهديدات منفردة، ستجد أنها أمام أمن جماعي للدول الثلاث، وذا ما يمكن أن يتضح مما يبطنه قول إن أمن كل دولة طرف، هو جزء لا يتجزأ من الأمن الجماعي للدول الثلاث.

رفع الكلفة على المعتدي
ومن خلال هذا القرار، ينتج ارتفاع الكلفة على أي طرف يفكر بالتصعيد، ضد إحدى الدول الثلاث؛ لأن حسابات الخصم لم تعد محصورة في قدرات الدولة المستهدفة وحدها، بل بمجمل دول اتفاق مكة.

دلالات اختيار الرياض
واختيار الرياض كمقر يصدر منه قرار تفعيل الاتفاق، أو مقر للأمانة العامة ليس اعتباطيا، إنما له دلالات استراتيجية عميقة، خصوصا في ظل تعرض المملكة لهجمات غادرة من جماعة الحوثي المارقة وشقيقاتها الإرهابية في العراق، وهو ما يكسب الرياض أهمية مركز قرار الدفاع الخاص بالحلف، ما يشكل اختبارا حقيقيا لكل من تسول له نفسه بالتفكير فقط بالاعتداء على أراضي المملكة.

تسمية الأمين العام
وتسمية أمين عام للحلف الذي وصل له ذلك الاجتماع، لم يكن مجاملة لأحد، إنما يكشف عن أن الاتفاق، تحول إلى كونه جهازا مؤسسا بشكل دائم، يتجاوز فكرة الاجتماعات والنقاش إلى المرحلة العملية، التي تتطلب وجود القوة العسكرية في أي وقت بجهوزية عالية، بأي من تلك الدول الثلاث.

من هو نعمان محمود؟
والإجماع على الجنرال الباكستاني المتقاعد نعمان محمود أمينا عاما للحلف لمدة 3 سنوات، يحتوي على عدة اعتبارات، أهمها خبراته العسكرية والاستخباراتية المتراكمة، وهو الذي قاد فرقة مشاة في شمال وزيرستان، وهي منطقة ارتبطت لسنوات بعمليات عسكرية وأمنية، كما تولى منصب المدير العام للتحليل في جهاز الاستخبارات الباكستانية «ISI»، إذ عمل في مجال التحليل الأمني والاستراتيجي، ما يعكس أن اختياره تم بناء على بحث متعمق بشخصية لها خبراتها، وتستطيع من خلالها بناء كيان قوي، بأهمية الذراع العسكري لاتفاق مكة.

اختبار حقيقي
يتصور المحلل السياسي عمر الشدي رئيس تحرير صحيفة اليوم السعودية سابقا، الذي تحدثت معه «مكة» عبر الهاتف، أن اجتماع 5 أكتوبر اختبار حقيقي لتحويل حبر الورق إلى أفعال، لا سيما مع تعرض المملكة لهجمات قابلتها الرياض بصبر استراتيجي وكثير من الحلم. يستدرك الرجل ويصل لنتيجة نهائية: ما يهم بالمحصلة هو الانتقال من بناء الاتفاق، إلى تفعيله واستخدامه في مصلحة حماية جميع الدول الموقعة عليه. الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة، لا تكتفي بالتضامن السياسي. هناك حاجة لسرعة نشر القوات العسكرية في المملكة على وجه التحديد، لحمايتها طبقا لما جاء في بنود هذا الاتفاق التاريخي. ولو تعرضت تركيا أو باكستان على سبيل المثال لأي حدث مشابه، لن يتوانى الجميع عن حماية أيا منهما.

اليمن حاضر
ومع تصاعد وتيرة العمليات العسكرية التي يشهدها اليمن، والتقدم الملحوظ الذي تحققه القوات المسلحة التابعة للحكومة اليمنية الشرعية، يفرض الملف اليمني نفسه على الواقع العسكري فيما يرتبط بالاتفاق، ما يعني أن هذا الخيار متوفرا على الطاولة ويمكن تفعيله في أي لحظة، من منطلق حماية السعودية وصون أمنها، إن استدعى الأمر لرفع رتم الردع والمواجهة.

اتفاق بلا انتقاص
بطبيعة الحال بناء مثل هذه الاتفاقات لا ينتقص من قدرة أي دولة على حماية نفسها وشعبها ومقدراتها، فالمملكة على سبيل الاستشهاد والاستدلال لا الحصر، قادرة على صون أمنها القومي والاستراتيجي وبكل جدارة، ليس من اليوم، إنما من مئات السنين، والشواهد كثر على ذلك، وإن تجاوزت عن حالة اعتداء معينة، فذلك ليس من باب الضعف، أو عدم القدرة على الردع والمواجهة، لا بل من منطلق تغليب الحكمة والرجاحة السياسية.

جهوزية الحلفاء
ومأسسة الاتفاق وإدخاله حيز التنفيذ، يؤكد جهوزية الجمهورية التركية، وباكستان الإسلامية للمشاركة العسكرية إلى جانب المملكة في الدفاع عن أمنها وسلامة أراضيها ومقدساتها، وفقا لأحكام الاتفاقية والموافقات الداخلية المعتمدة لدى الدول الأطراف.

الحوثي بعين العاصفة
بالعودة للشدي، فيرى أن يوم الخامس من أكتوبر الحالي الذي تم إقرار تفعيل المفهوم العسكري لاتفاق مكة ودخوله حيز التنفيذ، بالتأكيد لم يمر مرور الكرام على جماعة الحوثي الإرهابية في اليمن. يمضي ليصل للقول: الجرح العربي والإسلامي غائر بعد قصف مكة والمدينة. العالم الإسلامي ناقم عليهم. لكن إن تجرأت الجماعة على الاعتداء ضد أهداف سعودية من جديد، فستكون كتبت نهاية تاريخها بيد رموزها الحمقى. هذا بالمناسبة ليس حكرا على حوثي اليمن، لا بل يسري على جميع الميليشيات المتطرفة في الإقليم. على كل حال؛ ستكشف لنا الأيام كيف سيكون مستقبلهم. المنطقة لم تعد تستوعبهم.

والشعوب والمجتمعات لا تملك الوقت لاتباعهم والسير وراء زيفهم التاريخي. لقد أوهموا الضعفاء و أفقدوهم لحظات هامة من حياتهم في تصديق دجل دعايتهم. الآن أصبح الرأي العام أكثر وعيا. انتهى وقتهم. لا مستقر لهم إلا مزبلة التاريخ. كما من سبقهم من شذاذ الآفاق في العالم العربي.