باحثان يستعرضان العلاقة بين اللغة والثقافة والهوية
مكة - الرياض4 دقائق للقراءة



حجم الخط
ناقشت جلسة بعنوان «اللغة والهوية الثقافية: الدلالة، والذاكرة، والانتماء» ضمن أعمال المؤتمر السنوي الدولي الخامس لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، عددا من القضايا المرتبطة باللغة والثقافة والهوية، من خلال بحثين علميين تناول أولهما الكيفية التي تشكل بها المفاهيم الثقافية في العربية، فيما بحث الآخر مفهوم «المعنى الثقافي» ودوره في تشكيل الهوية وحفظ خصوصيتها.
وتناولت الجلسة ورقة بعنوان «كيف تفكر العربية في الثقافة؟ مقاربة فيلولوجية في ضوء الاستعارة التصورية» قدمها الباحث الدكتور سالم أخشوم، وأدارها الدكتور محمد القريشي، مفهوم «الثقافة» في العربية من منظور لغوي وتاريخي وإدراكي، مبينا أن المفهوم نشأ من خبرة حسية مادية قبل أن يتطور إلى دلالة فكرية وتربوية مجردة.
وأوضح الدكتور أخشوم أن الجذر «ثقف» يرتبط في دلالته الحسية بأداة «الثِقاف» التي يقوم بها الرمح أو القناة المعوجة، مشيرا إلى أن الانتقال من هذه الدلالة المادية إلى مفهوم الثقافة بمعناه الفكري تم عبر استعارة تصورية نقلت بنية التقويم المادي إلى تشكيل الإنسان، وصقله وإعداده.
وأشار إلى أن الثقافة وفق هذا التصور لا تقتصر على تراكم المعارف، وإنما تمثل عملية لتشكيل الإنسان وإكسابه شكلا ووظيفة وقيمة داخل النظام الاجتماعي والثقافي، مبينا أن الإنسان في هذا النموذج يشبه مادة خاما قابلة للتقويم والصقل، بما يجعل الثقافة عملية إنتاج للهوية الاجتماعية والثقافية، وليس مجرد امتلاك لمحتوى معرفي.
وتناول البحث فرضية تأثيلية لأصل (ثقف) تربطه بـ(سكف)، مقترحا مسارا لغويا يبدأ من السومرية مرورا بالأكدية والفارسية ثم المعرب وصولا إلى ثقف، مع التأكيد أن هذا الطرح يندرج في إطار الفرضية التأثيلية وليس حقيقة تاريخية محسومة.
وبين الباحث أن ثبوت الأصل الدخيل المفترض للفظ ثقف لا ينتقص من قدرة العربية على إنتاج المفاهيم، بل يكشف عن قدرتها على استيعاب المادة المعجمية، وإعادة شحنها دلاليا واستعاريا، لتصبح حاملة لمضمون فكري وأخلاقي مجرد، ولرؤية فلسفية حول الإنسان.
وتناولت الورقة العلاقة بين عدد من الجذور العربية، مقترحة النظر إليها بوصفها شبكة صوتية ودلالية، ومن بينها «حد وحذ وحذف وهذب وأدب»، مع التأكيد أن هذا الطرح لا يعني بالضرورة تعاقب هذه الألفاظ تاريخيا في خط زمني واحد، وإنما يقترح قرابة بنيوية قابلة للاختبار في ضوء التقارب الصوتي والدلالي والشواهد التاريخية.
وأشار إلى أن مفهوم «أدب» شهد مسارا تصاعديا نحو التجريد، انتقل فيه من دلالة ترويض الحيوان وتدريبه إلى تهذيب الإنسان أخلاقيا، ثم إلى «الأدب» بوصفه مجالا من مجالات المعرفة والإبداع، مرجحا، في ضوء الأدلة التي ناقشها البحث، التفسير الداخلي العربي لأصل اللفظ على الفرضيات التي تربطه بأصول أجنبية.
وقارن البحث بين المفهوم العربي للثقافة والمفهوم اللاتيني «cultura»، الذي يرتبط بـ«colere» الدال على فلاحة الأرض والعناية بها، قبل انتقاله إلى مفهوم «فلاحة النفس»، موضحا أن المجال المصدر يختلف بين اللغتين؛ ففي اللاتينية ينطلق من الفلاحة، بينما يقترح البحث أن العربية انطلقت من المجال الحرفي، وتقويم المادة، إلا أن الآلية الإدراكية في الحالتين واحدة، وهي الانتقال من المحسوس إلى المجرد عبر الاستعارة التصورية.
وخلص البحث إلى 4 تصورات مجازية للإنسان وإصلاحه، تتمثل في الإنسان مادة تقوم، ونباتا يشذب، وحيوانا توجه طاقته، وأرضا تفلح، معتبرا أن هذه التصورات لا تمثل صورا بلاغية متفرقة فحسب، بل تتضمن تصورات تربوية مختلفة لطبيعة الإنسان وطرق بلوغه الكمال.
وناقش البحث التصورات الاستشراقية القديمة التي ربطت اللغات السامية بالمحسوس ونفت عنها القدرة على التجريد، مبينا أن بناء العربية لمفهوم مجرد مثل «الثقافة» انطلاقا من خبرة حسية يمثل، وفق الطرح الذي قدمه الباحث، حجة لغوية على قدرة العربية على الانتقال من المحسوس إلى المجرد.
وأكد أن المعجم لا ينبغي النظر إليه بوصفه مستودعا لتعريف الكلمات فحسب، بل باعتباره ذاكرة لغوية وفكرية ووجدانية وحضارية تحفظ آثار البيئة والحرفة، والأداة والنشاط الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية، والتحولات الفكرية التي مرت بها الجماعة اللغوية.
وفي الجانب المنهجي، دعا البحث إلى إعادة الاعتبار إلى الاشتقاق الأكبر والإبدال وفق ضوابط علمية حديثة، بحيث لا تقتصر المقاربة على جمع الألفاظ المتشابهة، وإنما تختبر العلاقات المقترحة في ضوء التقارب المخرجي، والسمات الصوتية والقرابة الدلالية، والشواهد التاريخية، إلى جانب دمج الفيلولوجيا التاريخية باللسانيات الإدراكية لفهم تاريخ الألفاظ والآليات التي أسهمت في تشكل معانيها.
