حين تشيخ القوى العاملة الصحية
عبدالله الزير5 دقائق للقراءةحجم الخط
في قاعة كبرى، يقف خريجو دفعة جديدة من كلية الطب بمعاطفهم البيضاء، والكاميرات تلتقط لحظة دخولهم المهنة. وفي قاعة اجتماعات صغيرة بالمبنى نفسه، يقام حفل هادئ لاستشاري قضى خمسة وثلاثين عاما في القسم، يتسلم درعا تذكارية ويغادر حاملا معه خبرة لا تسلَّم مع العهدة. وبينما يحتفي قادة المنشأة بالحفل الأول، يمر الثاني بهدوء لا يعكره سوى إجراءات تسليم العهدة وإغلاق الملف الوظيفي. ففي كثير من الأحيان، تضع المنشأة معايير وإجراءات واضحة لانضمام موظفين جدد إليها، لكنها لا تبدي القدر نفسه من الانتباه إلى من يغادر، ولا إلى ما يغادر معه من خبرة وقدرة إنتاجية ومعرفة تراكمية. لذلك قد تبدو المنشأة أكبر مع ازدياد عدد الداخلين إليها، بينما تكون قدرتها الفعلية آخذة في التآكل مع خروج أصحاب الخبرة.
وفي الثامن عشر من سبتمبر، سلطت منظمة الصحة العالمية الضوء على نتائج أول تقرير في سلسلتها السنوية الجديدة لحسابات القوى العاملة الصحية الوطنية. وفي ظاهر أرقامه بشرى؛ فقد ارتفعت كثافة القوى العاملة الصحية عالميا بنسبة 52% خلال عقدين، وتجاوز حجم القوى العاملة في الصحة والرعاية سبعين مليونا. غير أن المحور الذي اختاره التقرير لإصداره الأول عكر صفو هذه البشرى: شيخوخة القوى العاملة الصحية.
فاستنادا إلى أحدث البيانات المتاحة من 122 دولة، بلغت نسبة الأطباء الذين تجاوزوا الخامسة والخمسين نحو 25% عالميا، ومن المتوقع أن يتقاعدوا خلال العقد القادم. وترتفع هذه النسبة في الدول مرتفعة الدخل إلى نحو 33%. وبحلول 2030، لن تملك 67 دولة ما يكفي من القوى العاملة الصحية لتلبية احتياجات سكانها، فيما يتوقع أن يتجاوز العجز العالمي في القوى العاملة الصحية 11 مليونا. ويقول الدكتور خاسوم ديالو (Khassoum Diallo)، القائم بأعمال رئيس وحدة سياسات وبيانات القوى العاملة الصحية في أكاديمية منظمة الصحة العالمية، إن الشيخوخة هي «أزمة القوى العاملة الصحية الخفية». وهي أزمة تضغط على النظام الصحي من جانبي العرض والطلب؛ فمن ناحية العرض، يشيخ الممارسون الصحيون ويقترب بعضهم من مغادرة المهنة، ومن ناحية الطلب، يشيخ السكان أنفسهم فتزداد حاجتهم إلى الرعاية.
وتكشف هذه الأرقام أن القضية لا تتعلق بتعداد القوى العاملة في لحظة بعينها بقدر ما تتعلق بالحركة التي تجري داخلها. فإذا اقتصر تخطيط القوى العاملة الصحية على مقارنة الطلب بالعرض القائم، أعطانا صورة لحظية توحي بأننا نتعامل مع كيان ثابت، بينما نحن في الحقيقة أمام منظومة حية يدخل إليها خريجون، ويخرج منها متقاعدون، ويتسرب منها آخرون، ويهاجر بعض أفرادها، وتتغير قدرتها مع تغير الإنتاجية وأنماط تقديم الرعاية. ومن ينمذج هذه الحركة كلها معا يستطيع أن يرى الفجوة وهي تتشكل قبل أن تقع.
ومن منظور المعلوماتية الصحية، المعنية بتحويل البيانات إلى قرار، فإن المطلوب هو الانتقال من عد القوى العاملة وصفيا إلى نمذجة حركتها واستشراف مستقبلها. وحتى يتحقق ذلك، أرى أن هذا التحول يقوم على أربعة أركان.
أولها: سجل وطني حي للقوى العاملة؛ يعرف العمر والتخصص والموقع والحالة المهنية لكل ممارس، بدل الاعتماد على إحصاء دوري يشيخ بين نشرة وأخرى. وتكشف تجربة منظمة الصحة العالمية قيمة ذلك؛ فقد ارتفع توافر بيانات القوى العاملة الصحية عالميا قرابة عشرين ضعفا منذ أن أطلقت المنظمة في 2017 إطارها الموحد لجمع هذه البيانات والإبلاغ عنها، وأصبح بالإمكان رؤية قضايا الشيخوخة والهجرة والتفاوتات بدرجة أوضح.
وثانيها: أن تبنى تقديرات العرض والاحتياج المستقبلي من الممارسين الصحيين على مستوى التخصص والمنطقة، بدل الاكتفاء بالمعدل الوطني. فالمعدلات الوطنية تطمئن أحيانا بقدر ما تخفي. فقد يبدو العرض الإجمالي كافيا، بينما يكون تخصص بعينه في منطقة بعينها مقبلا على فقد نسبة كبيرة من استشارييه خلال سنوات قليلة، من دون أن يظهر ذلك بوضوح في المتوسط العام.
وثالثها: ربط مسار تأهيل الكوادر بأفق الطلب المستقبلي، لا بحاضره. فعلى سبيل المثال، قد يستغرق تأهيل الطبيب عقدا أو يزيد، بحسب المسار والتخصص، ولذلك فإن قرارات القبول والتدريب التي نتخذها اليوم تشكل جانبا من عرض القوى العاملة بعد عقد من الآن. والتخطيط الذي لا يمتد أفقه بطول دورة تأهيل الكفاءات يظل أقرب إلى الاستجابة المتأخرة منه إلى التخطيط الاستباقي.
أما الركن الرابع: فهو إدخال الإنتاجية في المعادلة بوصفها الرافعة الأسرع حركة. فزيادة أعداد الممارسين الصحيين تحتاج إلى سنوات، بينما يمكن للرعاية الافتراضية، وإعادة توزيع المهام، والأتمتة، وأدوات الذكاء الاصطناعي المساندة أن ترفع قدرة القوى العاملة القائمة على تقديم الخدمة خلال أفق أقصر. ولهذا لا ينبغي أن تسأل نماذج التخطيط عن عدد الممارسين فحسب، بل عن مقدار الرعاية التي يستطيع هذا العدد تقديمها.
وليس معنى ذلك التقليل من شأن التوسع في كليات الطب والتمريض أو جهود التدريب والاستقطاب؛ فمن دون رفد المنظومة بممارسين صحيين جدد، لا تستقيم المعادلة أصلا. لكن التقرير يعيد ترتيب السؤال. فالسؤال لم يعد فقط: كم نملك من الممارسين؟ بل أيضا: من المتوقع أن يغادر المنظومة؟ ومن سيدخل إليها؟ وفي أي تخصص أو منطقة ستظهر الفجوة؟ ومتى سيحدث ذلك؟
المملكة اليوم تخوض تحولا صحيا واسعا، تتجلى جوانب منه في التوسع في التدريب والتوطين والتحول الرقمي، كما تمتلك المنظومة الصحية كثيرا من المقومات التي تجعل الانتقال إلى تخطيط أكثر ديناميكية واستباقية ممكنا. وتكمن قيمة هذا الانتقال في القدرة على قراءة حركة القوى العاملة مبكرا بما يكفي كي يسبق القرار الفجوة بدل أن يلحق بها.
فالفجوة التي ترى قبل وقوعها تمنح متخذ القرار سعة في الخيارات ووقتا للمفاضلة بينها؛ أما التي لا تكتشف إلا بعد وقوعها، فلا تترك له إلا سد النقص. ولن ترى الفجوة مبكرا ما دام صاحب الحفل الهادئ في قاعة الاجتماعات يغادر بخبرته، بينما لا ترى أنظمة المنشأة في رحيله سوى ملف وظيفي يغلق.
A_H_Alzeer@
