اللغة والهوية.. من حيوية الدلالة إلى ذاكرة الشعر
مكة - الرياض3 دقائق للقراءة



حجم الخط
ناقش المؤتمر السنوي الخامس لمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، المنعقد بعنوان «اللغة العربية والثقافة: التداخلات والأبعاد» عددا من القضايا المرتبطة باللغة والهوية الثقافية، من بينها التغير الدلالي في مصطلحات البيانات والذكاء الاصطناعي، واستخدام اللهجات في الخطاب الرقمي، ودور الشعر العربي في حفظ مظاهر الهوية العربية وقيمها.
وتناولت ورقة قدمها أستاذ اللغة العربية بجامعة الباحة الدكتور مكين القرني، بعنوان «تغير الدلالة بالنقل المجازي وحيوية الهوية الثقافية.. التغير الدلالي بالنقل المجازي في معجم البيانات والذكاء الاصطناعي أنموذجا»، ظاهرة الاقتراض الدلالي عن طريق الترجمة، وما يترتب عليها من نقل دلالات جديدة إلى المفردات العربية، متخذا «معجم البيانات والذكاء الاصطناعي» الصادر عن مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية نموذجا للتطبيق.
وأوضح البحث أن التغير الدلالي بالنقل المجازي عن طريق الترجمة يمثل تغيرا دلاليا خارجيا؛ إذ تنشأ الدلالة الجديدة بفعل عامل خارجي هو الترجمة، وليس نتيجة تطور ذاتي داخل نظام اللغة، مشيرا إلى أن هذا النوع من النقل يمكن أن يسهم في إثراء اللغة العربية وربطها بالمستجدات العلمية والتقنية، متى استند إلى علاقات مجازية منسجمة مع نظام العربية.
وبين القرني أن الدراسة سعت إلى بحث مدى إسهام تغير الدلالة بالنقل المجازي في تشكيل هوية ثقافية مرنة تتناسب مع العصر، دون أن تفقد أصالتها، إلى جانب رصد شواهد هذا التغير في مصطلحات البيانات والذكاء الاصطناعي، ومدى انسجامها مع الهوية الثقافية، ودور المجامع اللغوية في تحقيق مثاقفة ندية تراعي الحمولات الفكرية والفلسفية للمصطلحات الأجنبية قبل اعتمادها.
وتناول الباحث عددا من النماذج، من بينها مصطلحات «التشذيب والتبطين والتجذيع والتقليم والتنقيب»، إلى جانب المصطلحات المركبة مثل «هلوسة الذكاء الاصطناعي» التي نقلت فيها دلالة الهلوسة من وصف حالة الإنسان إلى وصف مخرجات نظام الذكاء الاصطناعي، وكذلك «بيانات متدفقة» التي انتقلت فيها دلالة التدفق من مجال السوائل إلى مجال البيانات، استنادا إلى المشابهة بين تدفق المياه وتدفق البيانات.
وأشار البحث إلى أن التعبير عن المصطلحات الأجنبية بألفاظ عربية فصيحة على سبيل المجاز يعزز الهوية الثقافية، إلا أن ذلك يتطلب وعيا بالحمولات الفكرية والفلسفية للمصطلحات المستوردة، حتى لا تؤدي بعض الاستعارات إلى إضفاء صفات بشرية على الآلة أو ترسيخ تصورات معرفية لا تنسجم مع المنظومة الثقافية العربية.
وأكدت الدراسة أهمية تعزيز مفهوم المحاكاة في التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، واختيار مترجمين يمتلكون معرفة باللغة المصدر وفلسفاتها، إلى جانب إتقانهم للغة العربية وأنظمتها وقيمها وجمالياتها، بما يسهم في إنتاج مصطلحات تستوعب التطورات العلمية والتقنية دون إخضاع اللغة العربية لشروط الثقافة المهيمنة.
وفي محور آخر، تناولت الدكتورة نازك العزام والدكتور باسل المشاقبة من الجامعة الهاشمية في الأردن ورقة بعنوان «اللهجة والهوية الثقافية في خطاب صانعي المحتوى الرقمي: بين التقريب الثقافي وتعميق الفجوة مع الفصحى»، ناقشا خلالها التحول الذي يشهده الخطاب الثقافي في الفضاء الرقمي، مع تنامي استخدام اللهجات المحلية إلى جانب العربية الفصحى في منصات مثل يوتيوب وتيك توك وإنستغرام.
وبينت الورقة أن استخدام اللهجات في صناعة المحتوى الرقمي أسهم في تعزيز تمثيل الهويات والثقافات المحلية، وجعل التواصل أكثر قربا وعفوية، لكنه في المقابل يثير تساؤلات بشأن أثر هيمنة اللهجات في حضور العربية الفصحى، ومدى تأثير ذلك في ارتباط الأجيال باللغة والتراث.
وركزت الدراسة على مسارين رئيسين؛ أولهما «التقريب الثقافي» من خلال توظيف اللهجة لتعزيز القرب من الجمهور، وإبراز الهوية المحلية، ونقل التراث وبناء الثقة، وثانيهما «الفجوة اللغوية» التي قد تنشأ عن هيمنة اللهجات، بما قد يؤدي إلى تراجع حضور الفصحى ومكانتها الرمزية في الخطاب الثقافي الرقمي.
واعتمدت الدراسة المنهج الوصفي التحليلي لتحليل عينات من المحتوى الرقمي الأردني والسعودي، ورصد مستوى استخدام اللهجات، وحضور الفصحى والمزج اللغوي، والمفردات والرموز المرتبطة بالتراث، إلى جانب تحليل تفاعل الجمهور مع هذا المحتوى.
وأظهرت النتائج أن توظيف اللهجة في الخطاب الرقمي يمثل واقعا لغويا قابلا للمعالجة المتوازنة، وأن اللهجة تؤدي وظيفة مهمة في التعبير عن الانتماء المحلي وتعزيز الألفة والعفوية، خصوصا في المحتوى الشخصي واليوميات والمحتوى الكوميدي.
