في أخبار سيف بن ذي يزن، مشهد يستحق التأمل اليوم وكل يوم: وفود العرب تصعد إلى غمدان، وفيها عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس ووجوه العرب، لتهنئة اليمن بزوال حكم الأحباش. جاءوا مبتهجين بعودته إلى أهله.

يحكى أن عبد المطلب قال «نحن أهل حرم الله تعالى وسدنة بيت الله، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزأة»

عبارة تختصر صلة قديمة: فاليمن من أركان البيت العربي، يوجع العرب انكساره، ويبهجهم أن تستقيم قامته.

لكن وراء بهجة غمدان تلك، كانت مأساة تتشكل. حين خرج سيف يبحث عن قوة تزيح الأحباش عن بلاده. لم يجد عند قيصر ما أراد، فبلغ باب كسرى. هناك، لم تقرأ استغاثته بعين الأمير الذي يرى وطنه أسيرا، بل بعين إمبراطورية ترى في محن الآخرين فرصا للاستحواذ. كان سيف يبحث عن الخلاص من الأحباش، وكان البلاط الفارسي يحسب ما يمكن أن يضيفه اليمن إلى ملكه.
تروي أخبار ابن إسحاق أن كسرى تردد في إرسال جيشه، حتى أشار عليه أحد مستشاريه بإخراج رجال من السجون، محكوم عليهم بالقتل «إن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم، وإن ظفروا كان ملكا ازددته». كان الطمع حاضرا منذ المشورة الأولى. سجناء محكومون بالقتل، لا خيرة الجند، يدفع بهم إلى البحر.

جاء ثمانمئة رجل بقيادة وهرز، وحملتهم ثماني سفن، غرقت اثنتان منها. قاتل اليمنيون معهم، وانهزم الأحباش، واعتلى سيف العرش، وأقام الفرس في اليمن. ترسخ نفوذ كسرى، وانتهى اليمن تحت الحكم الساساني. هنا وجع الحكاية: الرجل الذي قطع الطريق الطويل ليخرج بلاده من يد الغريب، عاد إليها ليجد يدا أخرى تمسك بمصيرها. انتصر على خصمه، لكنه أصبح رهين نصيره.
نصب سيف ملكا على اليمن بأمر كسرى. وتذكر الروايات شروطا تقضي بدفع جزية كل عام، وإقامة نائب فارسي في البلاد، وأن يتزوج الفرس من قومه، ولا يتزوج قومه من الفرس؛ فأصبح حكمه مقيدا بالنفوذ الفارسي. وفي عبارة تلخص هذا المأزق، قال «استبدلنا أسيادا بأسياد»

فرح اليمنيين بانكسار عدوهم حجب عنهم، لبعض الوقت، حسابات المستقبل. في مثل هذه اللحظات، تنسي النشوة المنتصرَ السؤالَ الأهم: ما الثمن؟ تتعالى أصوات الشعراء، ويؤجل الناس أسئلتهم الصعبة، ويترددون في طرحها حتى يستيقظوا لاحقا على حقيقة أن هذا التأجيل قد كلفهم سيادتهم.

بعد قرون، جاءت محنة تستدعي تلك الحكاية. بدعم من طهران استولى الحوثيون على صنعاء في سبتمبر 2014؛ كانت مؤسسات الجمهورية تنتزع بالسلاح، وكان اليمن يهوي سريعا من الأزمة السياسية إلى انهيار الدولة. طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي، المنتخب ضمن التسوية الانتقالية، مساعدة دول الخليج والجامعة العربية، بما فيها العون العسكري.

وفي الرابع عشر من أبريل 2015، صدر قرار مجلس الأمن رقم 2216 تحت الفصل السابع، مؤكدا دعمه لشرعية هادي، ومطالبا الحوثيين بالانسحاب وتسليم السلاح المستولى عليه من المؤسسات العسكرية والأمنية، وفارضا عقوبات وحظرا محددا على توريد السلاح إلى الأطراف المشمولة به. وأكد مجلس الأمن ضرورة إعادة مؤسسات الدولة إلى سلطة الحكومة الشرعية؛ وفي دلالته السياسية، أكد القرار أن الأمر الواقع المسلح لا يكتسب شرعية بمجرد نجاحه في احتلال العاصمة.

يحسب للسعودية أنها تحملت عبء قرار كبير، دفاعا عن أمنها ومساندة للحكومة اليمنية المستندة إلى التسوية الانتقالية والمعترف بها دوليا. فأمن الجوار يتصل بأمن الدولة واستقرارها، ولا يمكن عزله عنهما أو تأجيل النظر فيه. قيمة الموقف السعودي أنه جمع بين حق المملكة في حماية حدودها وحق اليمن في ألا تستولي جماعة مسلحة على دولته وتقرر وحدها مستقبله. تلك مسؤولية تليق بثقل السعودية ومكانتها العربية والإسلامية.

استعاد سيف بن ذي يزن عرشه، وبقي قرار اليمن في يد كسرى. تلك هي العبرة التي تستحق أن تبقى يقظة في ذاكرة اليمنيين. مواقف المجتمع الدولي ودور التحالف، وفي مقدمته السعودية، تطالب بقيام دولة يمنية تملك قرارها وتصون جوارها. فالنصر الحقيقي يوم يعود اليمن إلى أهله، وتكتب شروط مستقبله في صنعاء، بعيدا عن بلاط كسرى.