ما لا تقيسه النجمة
هبة مبارك الدوسري6 دقائق للقراءةحجم الخط
أعترف بأن برامج الطهي بمختلف أنواعها، والتي تتضمن مسابقات أو طهيا في أماكن غير اعتيادية والتعرف على أطباق ونكهات من مختلف أنحاء العالم من الأمور التي تستهويني للغاية. خصوصا، حين أتابع الطاقة المحمومة التي يتحرك بها الطهاة والعاملون في المطبخ ليقدموا طبقا مميزا في طعمه وشكله وشخصية الطاهي الذي أعده.
حين أراقب رئيس الطهاة وهو ينادي بالطلبات فيأتيه الرد من كل زاوية، وأيد كثيرة تتحرك في مساحة ضيقة دون أن تتصادم، وطاه يتذوق صلصته ثم يعيدها إلى النار، وثوان قليلة تفصل بين طبق يتم تزيينه باللمسات الأخيرة ليخرج إلى صالة المطعم. أرى في هذا المشهد صورة مصغرة لأي قطاع أو منظومة عمل: أدوار محددة، وتوقيت دقيق، وفريق يعمل تحت ضغط عال.. يعود إلي السؤال نفسه: هل العمل بهذه الوتيرة يوميا محتمل؟ وماذا يحدث لهؤلاء حين تصبح عين التقييم مسلطة عليهم كل ليلة ليقدموا أداء بالجودة نفسها؟
وللاقتراب من الإجابة لا بد من العودة إلى نجمة ميشلان في عالم المطاعم، والتي تعد أرقى وسام تميز يحصده المطعم والرمز العالمي الأبرز للالتزام بالمعايير الاستثنائية. وحكاية هذه النجمة الساحرة لم تبدأ أساسا في مطبخ أو مطعم، بل في مصنع إطارات للسيارات. ففي عام 1900 م كان عدد السيارات في فرنسا أقل من ثلاثة آلاف سيارة، فأصدر الأخوان أندريه وإدوار ميشلان دليلا للسائقين أملا في زيادة الطلب على السيارات، ومن ثم على إطاراتهما التي يبيعونها. كان الدليل يوزَع مجانا، ويضم خرائط وإرشادات لتغيير الإطارات، وقوائم بالمطاعم والفنادق ومحطات الوقود على الطرق.
في عام 1926 بدأ الدليل يمنح نجمة واحدة للمطاعم المتميزة. وفي عام 1931 صار التصنيف متدرجا حتى ثلاث نجوم: الأولى لطبخ عالي الجودة يستحق التوقف، والثانية لطبخ ممتاز يستحق الانحراف عن الطريق، والثالثة لمطبخ استثنائي يستحق رحلة خاصة. ويزور المفتشون هذه المطاعم متخفين، ويقيمونها وفق خمسة معايير: جودة المكونات، وإتقان النكهات وتقنيات الطهي، وحضور شخصية الطاهي في التجربة، والقيمة مقابل السعر، وثبات المستوى بين زيارة وأخرى. والنجوم ليست دائمة، فالمطاعم يعاد تقييمها باستمرار، ومن لا يستوفي المعايير يخسرها.
والكلمة الأخيرة في تلك المعايير هي مفتاح هذه الحكاية كلها: الثبات. وهذا الثبات تحديدا هو ما أثقل كاهل الطاهي الفرنسي سيباستيان برا. ففي العشرين من سبتمبر 2017 وقف أمام الكاميرا في جنوب فرنسا، وأعلن أنه يريد أن يحذف مطعمه من الدليل. كان مطعمه «لو سوكيه» قد نال نجومه الثلاث عام 1999، وهي أعلى درجة في الدليل. ولكن، صرح الطاهي الفرنسي أنه يريد أن يطهو بحرية دون أن يسأل نفسه كل يوم إن كانت أطباقه ستعجب المفتشين، وأنه يقبل في سبيل ذلك أن يصبح أقل شهرة.
لم يكن الطاهي الفرنسي برا أول من فعلها. فقبله بثمانية عشر عاما، في عام 1999، أعاد الطاهي البريطاني ماركو بيير وايت نجومه الثلاث، وكان أصغر طاه يحصل على هذه الدرجة لمطاعمه. وحين سئل عن السبب قال إنه شعر بالملل، وإن المطبخ صار آلة تكرر الأداء نفسه بدقة متناهية. فمن يملك ثلاث نجوم مضطر أن يحميها، فلا يغير قائمته ولا يجازف. وقال أيضا إن أمامه ثلاثة خيارات: أن يبقى أسير هذا العالم ستة أيام في الأسبوع، أو أن يتقاضى أسعارا عالية من الزبائن وهو بعيد تماما عن المطبخ والطهي، أو أن يعيد النجوم ويقضي وقتا أطول مع عائلته.
قد تبدو القصتان غريبتين، فالنجمة هي الحلم الأكبر لأي طاه. لكن من يعرف ما يجري خلف أبواب هذه المطابخ يفهم. فهي من أعقد بيئات العمل وأشدها ضغطا، والتوقيت فيها يحسب بالثواني، والعمل يدار بدقة تشبه غرفة العمليات. والنجمة لا تمنح لطبق لذيذ يقدم مرة، بل لقدرة المطبخ على تكرار المستوى نفسه في كل طبق وكل ليلة بثبات. الحصول على هذه النجمة إنجاز ووسم تميز، أما الحفاظ عليها فهو الاختبار الحقيقي.
وفي سنغافورة كانت الحكاية معكوسة. في عام 2016 منحت أول نجمة ميشلان لكشك صغير في الحي الصيني يبيع الدجاج بصلصة الصويا بدولارين ونصف فقط. وعاد صاحبه تشان هون منغ إلى كشكه في اليوم التالي. ثم جاءت بعدها الشراكات والامتياز التجاري والفروع خارج البلاد لهذا الكشك بوصفته اللذيذة. بعدها بحوالي 5 أعوام في عام 2021 خلا الدليل من اسمه. قال تشان إن الاحتفاظ بالنجمة كان صعبا، وإن لا شيء يدوم في عالم يتحكم فيه كثير من العوامل كالمكونات ذات الجودة العالية والأيدي العاملة.
يوضح الخبراء قاعدة هذا الوضع: حين يتحول المقياس إلى هدف، يفقد قدرته على القياس. النجمة في أصلها مرآة لما يحدث في المطبخ. لكن حين يصبح الحفاظ عليها غاية، يبدأ الطاهي في الطهي للمفتش لا للضيوف، كما وصف الطاهي البريطاني وايت. وحين تتحول الشهرة إلى رأس مال للتوسع، قد يكبر المشروع أسرع من قدرته على حماية الطبق الذي صنع كل شيء.
وهناك زاوية أخرى لا تظهر على السطح في عالم الطبخ.. وهي أن المفتش يتذوق الطبق، ولا يرى كيف يعامَل من ساهم في صنعه. حيث للأسف، للضغوط ثمن صحي مؤلم لا يظهر على الأطباق.
أستحضر في هذا السياق قصة مطعم «نوما» الدنماركي المعروف، لصاحبه الشيف رينيه ريدزيبي الذي لم يكن مجرد طاه، بل يعد واحدا من أشهر الطهاة في العالم، وأكثرهم تأثيرا في صناعة الغذاء الحديثة. بدأ ريدزيبي مسيرته برؤية غير تقليدية؛ ففي الوقت الذي كانت فيه المطاعم الفاخرة تعتمد على المكونات الكلاسيكية المستوردة، قرر هو ابتكار ما عرف بـ«المطبخ النوردي الجديد». ركز على البيئة المحيطة به في الدنمارك، واستخدم مكونات محلية موسمية، ونباتات برية كان يتجاهلها الآخرون. بفضل هذا الشغف والابتكار، حقق مطعمه «نوما» (Noma) نجاحا خياليا؛ حيث حصل على 3 نجوم ميشلان، وتوج بلقب «أفضل مطعم في العالم» خمس مرات. أصبح ريدزيبي أيقونة يتسابق الناس من كل قارات العالم للحجز في مطعمه قبل أشهر. رغم هذا المجد، فقد أدرك ريدزيبي أن الحفاظ على هذا المستوى الخارق من الجودة كان يتطلب تضحيات قاسية من فريقه: ساعات عمل تتجاوز 16 ساعة يوميا، ضغط نفسي مدمر، وبيئة عمل قاسية تعد طوابع مميزة لمطابخ النخبة.
ولذلك، وفي خطوة زلزلت عالم الطهي، أعلن ريدزيبي أن «نوما» سيغلق أبوابه بنهاية عام 2024. لم يكن قراره بسبب تراجع الأرباح أو الجودة، فقد صرح ريدزيبي بشجاعة أن نموذج العمل في المطاعم الفاخرة «غير مستدام ماليا وعاطفيا»، وأنه لم يعد يقبل بأن يبنى نجاحه على استنزاف فريقه. قرر بعدها ريدزيبي تحويل مطعمه إلى ما يشبه «مختبر طعام» عملاق أطلق عليه Noma 3.0 والذي يركز على الابتكار وتطوير نكهات جديدة، مع توفير بيئة عمل صحية عادلة، وتتيح للموظفين حياة طبيعية متوازنة. هذه القصة تذكير بحدود ما تقيسه الجوائز. فالنجوم الثلاث لم تسأل يوما عن الضغوط في ذلك المطبخ.
ففي مسح نيوزيلندي عام 2024 سجل الطهاة ثاني أعلى متوسط للاحتراق الوظيفي بين العاملين في الضيافة، وقال 48% منهم إنهم ينوون ترك وظائفهم خلال عام. وفي تركيا وجدت دراسة على 279 طاهيا أن الاحتراق الوظيفي ارتبط بالنفور من الطعام نفسه. ورغم أن تلك الدراستان كانتا محدودتي العينة، لكن صورة الطاهي الذي يفقد شغفه للمهنة التي يحبها تستحق التأمل.
ولا يعني هذا أن التقييم الخارجي عدو. فالمعايير الصارمة تحمي الجودة من التراخي، وقد فتحت النجمة لتشان السنغافوري أبوابا ما كان ليصلها من كشكه الصغير. المشكلة تبدأ حين يصبح التقييم هو البوصلة الوحيدة، وحين يقاس النجاح بما يصل إلى الطاولة وحده.
القيادة الناجحة تشبه إدارة مطبخ ينافس على النجوم. تحتاج رؤية واضحة وانضباطا صارما وتفويضا ذكيا، لكنها تحتاج قبل ذلك بوصلة لا تتحرك مع التقييم. فالنجاح الذي يبنى على استنزاف الفريق قد ينال النجمة، لكنه نجاح هش.
ما زال الطاهي الفرنسي سيباستيان برا يطهو في بلدته في جنوب فرنسا، بالمكونات نفسها ومن الأرض نفسها. لم يتوقف عن ممارسة شغفه والسعي إلى الإتقان. توقف فقط عن عد النجوم.
HibahAldosari@
