ادفنوا متعلقاتي معي..!
إيمان باجنيد3 دقائق للقراءةحجم الخط
حاولت أكثر من مرة عندما كنت في ريعان المراهقة أن أفعل كما يفعلن باقي المراهقات أو أغلبهن على الأقل وأقوم بتدوين يومياتي في دفتر جميل يحمل طابعي الشخصي، وكنت أستنزف الكثير من الوقت في تجهيز ذاك الدفتر وتلوينه ووضع رسومات تصور ما أعانيه من تقلبات نفسية ومزاجية، إلا أن الأمر لم يكن يفلح دائما، ويؤول مصير ذاك الدفتر الذي استهلك وقت في تجهيزه يفوق وقت استخدامه على الوجه الحقيقي، فيصبح دفتر كشكول يحوي بعثرات رسومات أو أجندة لألعاب الكوتشينة، وإذا رغبت أن يكون له فائدة أعظم فإنني أحوله إلى دفتر لمقادير أشهى الأكلات المدونة من الصديقات والقريبات.
على الرغم من أن هذه المذكرات تشغل حيزا كبيرا من اهتمام العديد من الناس، وقد تكون أفلام الأكشن والإثارة جعلت منها عنصرا مهما في اكتشاف القتلة وحل الألغاز مما كان له الأثر في إعطائها طابع الأهمية، ما علينا ففي النهاية كل ذلك لم يحفزني على أن أترك مسيرة حياتي مدونة في وريقات لورثتي من بعدي.
اليوم وبالتحديد وأنا في طريقي للعمل خطر في بالي أمر أن أسلك طريقا مختلفا، وأكتب وصيتي لأبنائي أن يقوموا بدفن كل متعلقاتي الشخصية معي دون المساس بأي أمر فيها، وتلك المتعلقات تعني كل ما كتبته بيدي ويحمل صفة السرية، جهازي الحاسوبي وبالأخص جوالي.
أعلم أن ما يتبادر للذهن في هذه اللحظة نمنمة مضمونها (لا بد أنها تخفي أمرا عظيما يجعلها حريصة على أن لا يطلع عليه من حولها من بعدها.. لا بد أنها تحمل ماضيا مظلما.. أو علاقات مشبوهة وهذا هو الأرجح..) ليكن ما يكن من تلك النمنمة، ففي الأخير حريتي لن تسلب بموتي وليس لكائن من كان أن يجعل من حياتي محور الأحاديث في المجالس.
لسنا جميعا أسوياء وقد نقوم بفعل أمور لا تروق لغيرنا في الخفاء أو العلن إلا أننا نمضي بستر من الله أسدله علينا إلى أن نلقاه.. ما أفعله وما أخفيه ليس بضارك بشيء، وإن كانت صورتي المكتملة في حياتي ترضيك فلتبق كما هي ولترحل أسراري معي.. ليس كل ما تراه على السطح هو مكمون حقيقتي، وليست كل ابتسامة وكل سكون يظهر يعكس ما في داخلي.. قد أحوي عاصفة من المشاعر والآلام التي لا أجرؤ على أن أدعها تظهر.. ليس خوفا من ظهروها حتى لا تكون سببا في آلام من نحبهم.. فبقاؤها في مكانها سيخفف حزن من فقدونا.
هناك حالة تأتي على الإنسان يصاب فيها بخرس إرادي فلا يرغب في التحدث عن أي شيء مهما كان الأمر مهما، في الغالب تعود الأسباب إلى رفض داخلي لموقف مر أو يمر به من وجهة نظر الشخص أنه لا منطق فيه أو أكبر من أن يتقبله العقل، أو مجموعة تراكمات فاقت الاحتمال، قد يسير بين الناس كمن فقد ذاكرته أو كمن احتسى شيئا من الممنوع فيكون بين الصحوة والإغماء، هذه الحالة لها فوائد كثيرة، منها على سبيل المثال تعطي فترة من التأمل والتفكير، كما أنها تعمل على استرخاء للوجدان فلا يجهد بألم من الكلمات المستقبلة أو حتى تلك التي قمنا بالتعبير عنها، هنا يأتي دور تلك المتعلقات الشخصية لتخفي بين ثناياها ما عجزنا عن البوح به بين الملأ... إذاً فلتبق أسرار في بئري.. فلن تتحملها بئر أخرى.
eman_bajunaid@
