وأنا أتابع التغطيات الإعلامية المصاحبة لـ«خليجي 27»، وأتنقل بين ما أشاهده مباشرة وما أعود إليه مسجلا، بدأت أشعر أن البطولة تكشف لنا شيئا أبعد من مستوى المنتخبات ونتائج المباريات؛ إنها تكشف كيف يرى الإعلام الحدث، وما الذي يختار أن يقدمه للناس. فبطولة الخليج ليست خمسة عشر مباراة وتنتهي، خصوصا حين تقام للمرة الأولى في جدة، بتاريخها وتنوعها الثقافي، وهو ما انعكس على هوية البطولة المستلهمة من «رواشين» جدة التاريخية، لتؤكد أن المكان جزء من الحكاية وليس مجرد ملعب يحتضنها.

ومن هنا استوقفتني إحدى التغطيات الإعلامية القادمة من الخارج؛ والتي لم تكتفِ بالمباراة والتحليل، بل حضرت جدة في الصورة: البلد التاريخية، وتراث جدة والمنطقة الغربية، والمجس والموال، والفرق الموسيقية، والأكلات الشعبية. ثم امتدت الصورة إلى قطار الحرمين، ومنصة «نسك»، والخدمات التي تسهل تجربة الزائر وتنقله. وحتى الجمهور لم يكن مجرد خلفية للكاميرا؛ فبعض الوجوه في المدرجات تحولت إلى قصة، مثل الطفلة اليمنية والطفل السعودي اللذين جرى الالتفات إليهما واستضافتهما لأنهما جزء جميل وعفوي من البطولة. هنا تفهم أن التغطية الناجحة لا تبحث فقط عمن سجل الهدف، بل عما سيبقى في ذاكرة المشاهد بعد المباراة

والمؤسف أن المقارنة مع جزء من إعلامنا المحلي تصبح مزعجة جدا. الإعلام القادم من الخارج وصل إلى جدة؛ مشى في شوارعها، دخل تاريخها، وقدم فنونها وطعامها وناسها وخدماتها. أما بعض إعلامنا فما زال في ديربي الأندية؛ البطولة في جدة، والجمهور الخليجي هناك، ومع ذلك يبدو الخطاب وكأنه لم يغادر الرياض أصلا. السؤال نفسه: من الأفضل؟ من يجب أن يلعب؟ ومن يستحق الحضور؟ ثم يبدأ الاصطفاف المعتاد، فيرفع لاعب لأنه ينتمي إلى لون، ويقلل من آخر لأنه ينتمي إلى اللون المنافس. ووصل الأمر إلى التشكيك في عودة لاعب إلى المنتخب، والحديث عن أن انضمامه قد يكون من أجل أخذ شارة القيادة من لاعب آخر، وهنا يصبح الأمر أكثر إزعاجا؛ لأن المنتخب نفسه يسحب إلى دائرة صراع الأندية، وكأن بعض الإعلاميين تناسوا أن المنتخب هو الفرحة الأكبر والمساحة التي تجمع الجميع؛ ففي الأندية يفرح جمهور ويحزن آخر، أما المنتخب فهو القادر على أن يوحد الناس في لحظة واحدة بلا ألوان ولا انتماءات فرعية.

والأمر المستفز أن لدينا مادة إعلامية ثرية تكفي لصناعة عشرات القصص يوميا: جدة التاريخية، الأسواق، البحر، الفنون، الطعام، ضيوف الخليج، التجارب السياحية، قطار الحرمين، الخدمات الرقمية، وقصص الجماهير. ومع ذلك، نستهلك ساعات في إعادة تدوير خلاف نسمعه طوال الموسم. وأعتقد أننا نحتاج إلى جيل جديد من الإعلاميين، جيل مواكب يفهم أن الإعلام الرياضي لم يعد أربعة أشخاص داخل استوديو يتبادلون الجدل نفسه. نحتاج إعلاميا يرى القصة خارج الملعب، ويعرف كيف يربط الرياضة بالمكان، والثقافة، والسياحة والإنسان. لدينا أسماء تعمل منذ عشرات السنين، تنتقل من برنامج إلى آخر ومن قناة إلى أخرى؛ يتغير الاسم والشعار والخلفية، فيما تظل الفكرة وطريقة الإثارة والطرح كما هي دون تطوير. وكم أتمنى ألا تدخل تغطياتنا المستقبلية إلى البطولات الكبرى بهذه العقلية، لأننا مقبلون على أحداث أكبر، والعالم حين يأتي إلى السعودية لن يأتي ليسأل فقط من الأفضل بين لاعبي الأندية.

وحتى أوضح مقصدي، فالأمر لا يتعلق بإلغاء النقاش الفني؛ فهذا جزء طبيعي من الرياضة. المسألة أن نعرف حجم اللحظة التي نعيشها. فنحن نستضيف بطولات متتالية، ونستعد لكأس العالم، وكل حدث رياضي فرصة لصناعة صورة عن البلد. كما أن منتخبنا ينتظر منذ سنوات طويلة العودة إلى منصات التتويج الكبرى؛ فآخر إنجاز للمنتخب يعود إلى عام 2004. فالأجدر أن يكون جزء أكبر من نقاشنا حول كيف يعود المنتخب إلى البطولات، وكيف نملأ المدرجات ونستثمر المناسبة، بدل أن نتصرف وكأن الكأس حسمت ولم يبق إلا تحديد أي لون سينسب إليه الفضل. وربما لهذا خرجت من «خليجي 27» بانطباع واضح: إعلام جاء من الخارج ليغطي بطولة، فاكتشف جدة وقدمها للناس، فيما ظل جزء من إعلامنا أسيرا لسؤال قديم. والمشكلة ليست أن الآخرين عرفوا كيف يروون قصتنا؛ المشكلة أننا كنا أصحاب القصة، ومع ذلك سبقونا إلى روايتها.

aabasuony@