في مثل هذا اليوم من شهر أكتوبر عام 1973، تم ضرب إسرائيل ضربة ساحقة، كما تشهد بذلك الأرقام غير العربية.... والأرقام خير شاهد:
فقد خسرت إسرائيل في الأيام الخمسة الأولى فقط من الحرب 110 طائرات و400 دبابة وحوالي 3 آلاف قتيل وألف أسير من بينهم 43 طيارا من نخبة الطيارين المقاتلين... وذلك بناء على تقديرات البنتاغون، لا التقديرات العربية.

ولم يعد سلاح الطيران الإسرائيلي ذا فعالية.. وهو لب القوة الإسرائيلية.. وتم تحييد سلاح المدرعات الإسرائيلي. واستسلم اللواء تلو اللواء الإسرائيلي.

وخسرت إسرائيل خط بارليف بأكمله في غضون ساعات: وتم احتلاله وأسر من فيه من قبل القوات المصرية... وقد امتد خط بارليف بطول الجبهة المصرية الإسرائيلية.. وكان خط بارليف أهم تحصين عسكري في العصر الحديث.. وخط الدفاع الأساس عن إسرائيل ومن أقوى خطوط الدفاع على مدى التاريخ. وقد بلغت ثقة إسرائيل في مناعة تحصيناته أن وزير الدفاع الإسرائيلي/ موشى دايان صرح أنه لا يمكن تجاوز خط بارليف إلا بتعاون هندسي عسكري روسي أمريكي مشترك.

والأهم أن العرب امتلكوا الإرادة (وشهر رمضان هو شهر الإرادة).. وأمسكوا بزمام المبادرة، وواجهوا الجيش الإسرائيلي وهزموه.. وأثبت المقاتل العربي قدرته.

وهنا أعود إلى استعراض الأرقام غير العربية:
فقد خسرت إسرائيل في الأيام العشرة الأولى فقط من الحرب 160 طائرة، أي ثلث قواتها الجوية، و900 دبابة، أي نصف قواتها المدرعة، وحوالي 6 آلاف قتيل، و20 ألف جريح.. عدا آلاف الأسرى. وفوجئ قادة إسرائيل بما حدث، فلم يتوقعوا لا طبيعة الهجوم ولا الخسائر الفادحة التي خسروها،
ولم يتوقعوا هجوما متصلا على طول جبهة تمتد حوالي 170 كيلومترا.. من أول الجبهة المصرية إلى آخرها.

وقد دمر سلاح الطيران المصري مركز القيادة الإسرائيلية في سيناء.. منذ الضربة الأولى.. وفي 48 ساعة الأولى فقط لم يبق من 350 دبابة إسرائيلية في سيناء سوى 90 دبابة، حسب تقرير رئيس الأركان الإسرائيلي، الجنرال ديفيد اليعازر، وعندما انتهت الحرب كانت إسرائيل قد فقدت نصف سلاح المدرعات وصفوة الأطقم المدربة. وخلال 48 ساعة أيضا فقدت إسرائيل صفوة الطيارين: حيث فقدت 40 قتيلا منهم عدا الأسرى.
ومعظمهم لا يقل سجل طيرانه عن 3 آلاف ساعة.
بينما أُسقطت ثلاثة أرباع الطائرات الإسرائيلية التي اقتربت من حائط الصواريخ.

وفوجئت إسرائيل قبل كل شيء بنوعية المقاتل العربي وروحه المعنوية وقدراته.. بينما كانت تقديرات البنتاجون أنه سوف يتم هزيمة الجيش المصري خلال 12 ساعة فقط!!

ارتبك قادة إسرائيل وعجزوا عن تدارك الموقف وتصرفوا بعصبية شديدة، واحتار وزير الدفاع الإسرائيلي/ موشى دايان ما بين إقالة قائد جبهة سيناء/ الجنرال جونين بعد إصابته بانهيار كامل، وما بين إبقائه... لأن إقالته اعتراف بالفشل أمام الجيش المصري. وانتهى موشى دايان بأن قرر أنه بدلا من إقالة قائد جبهة سيناء، بأن يدعمه بثلاثة جنرالات: الجنرال كالمان، والجنرال أدان، والجنرال شارون. وأدى ذلك إلى الصراع ما بين الجنرالات الأربعة والارتباك الشديد في القيادة!

وأصبح صراع الجنرالات علنا بينما المعركة في أوجها.. كما حدث بين الجنرال شارون والجنرال جونين، وتم إرسال الجنرال حاييم بارليف للتنسيق بينهم، ولم ينته الصراع.

لكن البعد الأعمق الذي لا يمكن إنكاره في الأثر الاستراتيجي الهائل لحرب أكتوبر كان الدور السعودي: فعندما أعلنت السعودية الحظر النفطي فإنها غيرت موازين القوى العالمية.. وأجبرت السعودية القوى الغربية على إعادة النظر في سياستها الخارجية الانحيازية تجاه الشرق الأوسط.

وقد أدى الضغطان الاقتصادي والدبلوماسي الهائلان اللذان شكلهما سلاح النفط إلى اتفاقيات فض الاشتباك، ومن بعدها إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء، وما زلنا إلى هذا اليوم نعيش في ظل تأثير إعلان السعودية للحظر النفطي في حرب رمضان/أكتوبر.

وكما كان العالم العربي يواجه في فترة السبعينيات أزمة شديدة الخطورة بسبب الطموحات الإسرائيلية، فإنه يواجه اليوم أزمة لا تقل خطورة بسبب الطموحات الإسرائيلية المعاصرة، حيث إسرائيل تستشعر احتمال خروج أمريكا من المنطقة، كما تستشعر مدى تراجع الدعم الشعبي الأمريكي لها، وأنه قد لا يكون باستطاعتها دفع أمريكا نحو حروب أخرى، ولذلك سارعت لتدفع إلى هذه الحرب مع إيران في خطوة كبرى نحو بناء إمبراطوريتها: "من النيل إلى الفرات"، حتى يمكن لإسرائيل أن تهيمن على المنطقة، وهو ما سوف يطرح وضعا خطيرا للغاية على جميع دول المنطقة، وقد بينت هذه الحرب أن التوافق والعمل المشترك لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة لا غنى عنها لحماية أمن الخليج والأمن العربي الأوسع، والتوافق يمكنه أن يحمي المنطقة من أن تتحول إلى ساحة صراع إقليمي مدمر.. واختراق إسرائيلي مسيطر.

كما يمكنه أن يحمي المنطقة من عقد صفقة تنهي الحرب على حساب دول مجلس التعاون، فالتوافق والتعاون الخليجي والعربي المشترك لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة.

وكما استطاع العرب بتعاونهم الخروج من تلك الأزمة عام 1973، فإنه لا بديل عن تعاونهم لحماية المنطقة في يومنا هذا.