تسأل أحدهم عن أخيه فيقول «والله ما عندي عنه خبر»!
وتسأل أختا عن أختها؛ فتأتي الإجابة قريبة من ذلك، وقد يكون الجميع في مدينة واحدة، بل ربما تحت سقف بيت واحد، لكن لكل واحد منا: عالمه ومشاغله وهاتفه، حتى أصبح القريب قريبا بالمكان... بعيدا بالتواصل.
فماذا حدث لنا؟ هل تغيرت الحياة إلى هذا الحد؟ أم أننا نحن الذين سمحنا لمشاغلها أن تأخذ منا أجمل ما فيها: الأهل؟
لا أريد أن أحمل الهاتف والتقنية كل المسؤولية: فقد قربت البعيد واختصرت المسافات، وجعلتنا نطمئن على من تفصلنا عنهم آلاف الأميال في ثوان، إنها نعمة إذا أحسنا استخدامها.
لكن المفارقة المؤلمة أن نعرف عبر هواتفنا ماذا حدث في أقصى الأرض ولا نعرف ماذا حدث لأخ أو أخت أو قريب يسكن على بعد دقائق منا..!
وأحيانا لا يقف الأمر عند الإخوة والأخوات، فقد تشغل الحياة بعض الأبناء والبنات عن آبائهم وأمهاتهم، وقد يعيش الزوجان في بيت واحد ولكل منهما عالمه وشاشته، ويجلس أفراد الأسرة في مجلس واحد، ولكن العيون معلقة بالهواتف والصمت سيد المكان.. هنا لا يكون السؤال: ماذا فعلت بنا التقنية؟ بل.. ماذا فعلنا نحن بعلاقاتنا؟
ولعل المسؤولية مشتركة؛ فالأسرة التي ينشأ أبناؤها على السؤال عن بعضهم، والزيارة والاجتماع وتفقد الغائب وحفظ مكانة الكبير ستبقى هذه المعاني في نفوسهم مهما تغير الزمن، وللآباء والأمهات دور كبير في أن يجعلوا البيت مساحة للمحبة لا مجرد مكان للسكن، وأن يربوا أبناءهم على أن الأخ والأخت سند، وأن صلة الرحم ليست مناسبة موسمية.
وقد جاء التوجيه الإلهي واضحا في قوله تعالى
﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى﴾.
وقال رسول الله ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه».
نحن لا نحتاج إلى إلغاء هواتفنا بل إلى ألا تلغي هواتفنا إنسانيتنا وواجباتنا.
نحتاج إلى أن نعيد للبيت جلساته وللأخ أخاه، وللأخت أختها، وللأب والأم نصيبهما من الوقت والسؤال والجلوس، وللأبناء والبنات ذلك الدفء الذي لن تمنحهم إياه شاشة مهما كانت ذكية.
رسالة قصيرة جميلة... لكنها لا تعوض زيارة.. ورمز قلب في الهاتف.. لا يعوض عناقا.
و«كيف حالك؟» عبر الشاشة.. ليست دائما كأن تجلس أمام من تحب وتنظر في عينيه وتسأله: كيف أنت حقا؟
دنيانا أقصر مما نتصور.
فلا تجعلوا مشاغلها تؤجل لقاءاتكم، ولا تنتظروا مرضا حتى نسأل، أو مناسبة حتى نجتمع، أو فقدا حتى نتذكر كم كان ينبغي أن نجلس ونتحدث ونضحك أكثر.
فكم من صوت كان قريبا منا ثم أصبحنا نبحث عنه في تسجيل قديم... وكم من مقعد كان صاحبه بيننا ثم أصبح فراغه يعلمنا متأخرين قيمة اللقاء.
اقتربوا يا أحبتي من أهلكم ما داموا حولكم، واسألوا عنهم ما دام السؤال يصل إليهم، واجلسوا معهم ما دام للمقاعد أصحاب؛ فالعمر يمضي، والهاتف يمكن تعويضه وتغييره... أما بعض الوجوه إذا غابت فلا إشعار يعيدها، ولا اتصال يصل إليها.
اللهم ألف بين القلوب وأصلح ذات البين واحفظ لنا أهلنا وأحبابنا وارحم من غاب منهم ولا تجعل مشاغل الدنيا تحرمنا نعمة القرب ممن نحب. اللهم آمين.. يا رب.
abdsheikha@
كلنا متصلون.. فمن يتواصل؟
عبدالله بن محمد آل الشيخ3 دقائق للقراءةحجم الخط
