الخليج العربي ليس مجرد مجموعة دول متجاورة تفصل بينها حدود، ولا مجموعة ثروات تتوزع على شواطئ البحر؛ بل هو حكاية تضامن وأمن ومصير مشترك، وفي قلب هذه الحكاية تقف المملكة العربية السعودية بثقل لا تستطيع الجغرافيا ولا السياسة تجاهله، ولا تستطيع ذاكرة المنطقة أن تغفل أثره المتحصل بالمراحل والمحصلة.

منذ تأسيس مجلس التعاون عام 1981، كانت الرياض مقر أمانته العامة، وكانت المملكة جزءا أصيلا من الفكرة التي قامت على التنسيق والتكامل والترابط بين دول الخليج؛ فكرة لم تبن على مصالح عابرة، بل على إدراك مبكر بأن المصير واحد، وأن قوة كل دولة تكمل قوة شقيقاتها.

لكن الدور السعودي لا يقاس بما تقوله الدبلوماسية ولا مواقع التواصل، ولا بما يظهر في المؤتمرات؛ فأغلب أدوارها الحقيقية تقوم بها بثقة وأخوة، مدركة لتأثيرها دون ضجيج، تسطر أثرها دون أن ترفع صوتها.

فالسعودية، بما تملكه من مساحة وثقل وحكومة وشعب وإمكانات، وبما تحتله من موقع وأمانة عظمى تجعل أمن الخليج مرتبطا بأمنها، وتمثل كينونة لا يمكن تجاوزها في حفظ توازن المنطقة.

ولذلك فإن السعودية حين تدافع عن أمن الخليج لا تفعل ذلك بحثا عن نفوذ، بل لأنها تدرك أن اضطراب جارها لن يتوقف عند حدوده، وأن الخطر حين يطرق بابا واحدا يسمع صداه الجميع. وهذا ما تجلى في موقفها ومواقف دول الخليج خلال غزو الكويت عام 1990، حين لم تكن للبيانات قوة ومكانة، فكان الفعل السياسي والعسكري والدبلوماسي الذي أعاد للكويت سيادتها ورفع علمها على أرضها من جديد.

وفي أزمة البحرين 2011، أعلنت المملكة أن أمن البحرين جزء من أمنها وأمن الخليج بأكمله؛ وبما لم يكن شعارا وقتيا، بل باعتباره فلسفة ثابتة ترى أن الشقيق الأصغر لا يترك وحده، ولا يترك ليكون ساحة اختبار لنفوذ الآخرين.

واليوم، قد تختلف دول الخليج مع السعودية، وقد تتباين حساباتها ومواقفها، لكن الاختلاف لا يلغي حقيقة الجغرافيا، ولا يمحو المصالح الأصيلة المشتركة، ولا يغير قاعدة أن أمن الخليج كلٌ لا يتجزأ. وقد ظهر ذلك جليا في مواجهة الاعتداءات التي استهدفت السعودية مؤخرا، حين أدرك الجميع أن الخطر على الرياض هو خطر على المنظومة كلها.

السعودية، بحكم ثقلها، تستطيع أن تتعامل مع بعض الإساءة بعين الكبير؛ لأنها تعرف أن العلاقات بين الأشقاء أطول من لحظة الغضب، وأن الزمن والحكمة قادران على إصلاح ما يفسده التوتر.

لكن التسامح لا يحصل حين يتحول الخلاف إلى تهديد لأمن الخليج أو إلى استدعاء قوى معادية إلى داخله.

لهذا فإن السؤال ليس: ماذا تعطي السعودية للخليج؟ بل: ماذا يعني الخليج إذا غاب عنه الوزن السعودي؟

فقد تبقى الدول بأسمائها وحدودها، لكن ميزان القوة سيكون مترنحا.
فالسعودية ليست دولة فوق الخليج، بل في قلبه؛ وقوتها أهم ركائز قوة أشقائها.

ومن لا يرى قيمة الكبير إلا حين يغيب، سيكتشف متأخرا أن بقاء المنظومة يبدأ من بقاء عمودها الفقري، وأن سقوط الركيزة لا تعوضه كثرة التفاصيل.

السعودية سد عز للخليج، وأي اختلال في علاقتها مع أشقائها يفتح ثغرات ضعف قد تتسلل منها القوى الطامعة لتقويض المنظومة الخليجية.

shaheralnahari@