كانت العرب لا تكذب، بل تعتبر الكذب باب جهنم من ولج فيه فتح على نفسه ما لا تحمد عقباه، وكان الرجل العربي يخسر ماله وملكه دون أن يضطر للكذب، حتى إن كرماء العرب الذين اشتهروا بهذه الفضيلة كانوا يعولون على أن المحتاج صادق لا يكذب، ولم يذهب الكرم إلا حين ذهب الصدق، بل في الحرب يترفع بعضهم عن الخديعة المنكرة باعتبارها نوعا من الكذب. وهذا يعني أن الكذب لم يكن مقبولا مهما لُوّن وشُكّل!

أما الآن، فالكذب يصنع بعناية تارة، وبقلة أدب تارة أخرى، وبوجوه لا تعرف الخجل، وهذا المفاوض يكذب في مفاوضاته، بل يعتبر الكذب مهارة وإبداعا وفنا، وآخر يقول «بفم مليان»: الكذب فن وإبداع، ويعزو ذلك إلى القوة، وحين قلت له: الكذب نقص في المروءة، قال لي: القوي يكذب، وعلى الضعيف أن يصدق كذبه وإلا نال عقابه! قلت له: ما هكذا تورد الأمور يا صاح!

أما شياطين البشر فإنهم يهوون الكذب ويحبونه وهو مادتهم الرئيسية في التأليب بين الناس، يزوقونه ويجملونه، ويمنحونه أسماء كثيرة: ضرورة، وسياسة، ودبلوماسية، ومجاملة، ثم يأتي من يقول «أنا لا أكذب، ولكن أتجمل». وفي النهاية، كله كذب.

والكذب لا يستمر طويلا وقيل سابقا، إن كنت كذوبا فكن ذكورا، الغريب جدا أن الكذب لا ذاكرة له، فهو ينسى بسرعة، والأغرب من هذا أنه رغم أن الناس تنسى فلا تزال بعض منصات النشر تسمح به، ذاكرة بعض الناس كذاكرة السمكة التي تنسى بسرعة، ما إن تهرب السمكة من الشبكة حتى تنسى وتعود إليها وتقع فيها. فهل مهدت الذاكرة المهترئة الطريق نحو تبرير الكذب؟

إن انتشار الكذب لا يعني أن الكذابين انتشروا فقط، بل ما هو أسوأ: أن الناس صارت تستسيغ الكذب وتتقبله وتتسلى به، وحتى تتأكد من هذه الفكرة لاحظ ما تعج به وسائل التواصل الاجتماعي من كذب بعض المشاهير، في سبيل الشهرة. والناس لا تزال تتبع آثارهم، ولا أدل على ذلك أيضا من التسويق بالكذب للمنتجات، فلو كان الناس يدينون الكذب الصريح والمموه لما رأيت معلنا يكذب، حتى إن وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي صنعت سوقا للكذب، وتأقلم المتسوقون مع كذبهم ويتابعونهم بشغف!

ثمة أمر خفي، وهو أن الكذب لم يعد مكلفا اجتماعيا، الكذاب وإن ثبت أنه كذاب، وإن أوقع الضرر في الآخرين، وإن أدين في محكمة أو في قضية، فإنه لا يخجل أن يعود إلى منصات الكذب نفسها التي اعتاد أن يكذب فيها، وكأن شيئا لم يكن، أي بعبارة أخرى لم يخجل من فعلته الشنيعة، ولم ينتهِ الأمر عند هذا، فهذه مصيبة أخرى: ليست عندما يستمر الكذاب يكذب، بل عندما يتوقف الناس عن إدانة الكذب، واحتقاره، أو تبريره بأن كل الناس تكذب. وخذ هذه أيضا، عندما يجد الناس تسميات أخرى للكذب تجمل الكذب، مثل «خفة الدم».

ربما لهذا لا تكون قيمة الصدق في كونه فضيلة أخلاقية فحسب؛ فالصدق، قبل أن يكون أجمل صفة في الإنسان، هو شرط لعمل الأشياء من حولنا. نحن نبني قراراتنا على ما نسمع، ونبني علاقاتنا على ما نصدق، ونبني ذاكرتنا على ما قيل لنا. وحين يصبح الكذب شائعا، لا تختفي الحقيقة فقط، بل ترتفع كلفة الوصول إليها. لذلك فالصدق ليس مجرد أن تقول ما حدث؛ بل أن تحافظ على صلاحية العالم الذي يتخذ الآخرون قراراتهم داخله.

Halemalbaarrak@