تتردد بين أوساط مستفيدي التأمين الصحي عبارة نسبة التحمل (deductible) والدفع المشترك (Copayment) دون معرفتهم لتفاصيل هذه العبارات ومعانيها. فنسبة التحمل هي ما يدفعه المشترك في التأمين الصحي من جيبه الخاص كل سنة مقابل الرعاية الطبية كل عام، قبل أن تبدأ شركة التأمين في الدفع. وقد تتحدد كنسبة من كل عملية - زيارة، أو إجراء، أو صرف أدوية - يتم فيها استخدام منافذ الرعاية الصحية. أما الدفع المشترك فهو رسم ثابت يتم تسديده عند الحصول على خدمة صحية أو عملية طبية معينة.

ظهر مصطلح نسبة التحمل وتم تطبيقه في الولايات المتحدة كمفهوم رأسمالي في الخمسينيات من القرن الماضي. وتبعت بدايات تطبيق التأمين الصحي الذي بدأ في الأربعينيات الميلادية. من أسباب تطبيق نسبة التحمل هو التخفيف من العبء المالي على شركة التأمين الصحي عبر فرض مشاركة الشخص المؤمَن له ماليا للحد من تعرض الشركة للنفقات الطبية الصغيرة المتكررة. كما يساعد ذلك في منع الإفراط في استخدام الخدمات الطبية بسبب احتمال سعي المواطنين للحصول على رعاية طبية لمشاكل بسيطة أو إجراء فحوصات ترى الشركة أنها «غير ضرورية». بل يطلق الاقتصاديون على هذه الممارسة مصطلح «الإنذار الأخلاقي» (Moral Hazard)، أي أن مبلغ التحمل يشجع المرضى على «الموازنة» بين تكلفة الرعاية الصحية وضرورتها، مما يخفف الضغط على نظام الرعاية الصحية والتأمين الصحي بحسب زعمهم.

من ناحية عملية، لا يؤدي تكليف المريض بدفع نسبة التحمل - خاصة إذا كانت مرتفعة نوعا ما - إلى تثبيط وتأخير الرعاية الصحية غير الضرورية فحسب، بل تثبط أيضا الرعاية الضرورية والوقائية والتدخل المبكر بسبب التكلفة. ويؤدي هذا التأخير إلى تحويل الحالات المرضية التي يمكن السيطرة عليها في مراحلها المبكرة إلى حالات طارئة مكلفة ومتقدمة. إذ إن المريض يرى «تقاسم المخاطر» كعبء مالي ثقيل. وقد يواجه المرضى ذوو الأمراض المزمنة أو الدخل المحدود خيارات صعبة بين توفير الاحتياجات الأساسية - كالسكن والغذاء والأقساط المختلفة - ودفع مبلغ التأمين الصحي الذي يتحملونه لزيارة الطبيب أو صرف وصفة طبية ضرورية.

سبب آخر لتطبيق نسبة التحمل هو تخفيض الأقساط أو الفاتورة التأمينية المدفوعة لشركة التأمين في حال الموافقة على دفع نسبة تحمل أعلى، لأن شركة التأمين تتحمل مخاطر مالية أقل مقدما، وتمنح المواطن فرصة ميسرة للانضمام للتأمين الصحي مقارنة بخطط تأمين ذات نسبة تحمل منخفضة وفاتورة تأمينية مرتفعة، لأن شركة التأمين تتوقع دفع تكاليف العناية الصحية في أقرب وقت. لكن واقع الحال هو فخ ارتفاع نسبة التحمل، مما يؤدي إلى دفع مبلغ أكبر للتأمين، مما يعتبر عبئا ماليا على الأفراد وبخاصة عند حاجتهم إلى عناية طبية طارئة، بل أدى ذلك أحيانا بحسب استطلاعات التأمين الصحي في الولايات الأمريكية المحاذية للمحيط الأطلسي ودول الكومنولث إلى التهرب التام من المتابعة العلاجية، خشية من دفع رسوم نسبة التحمل.

كما أن السبب الرئيسي لنسبة التحمل المتمثل بردع الاستخدام غير الضروري للخدمة الصحية يفسر نظرة شركات التأمين للمريض كمستهلك نشط، وأنه يتسوق للرعاية الصحية كما لو كانت سلعة استهلاكية. لكن من الناحية الإكلينيكية، فالتفسير يجانب الصواب، إذ إن المرضى لا يملكون الخبرة الكافية لتشخيص أنفسهم أو تحديد ما إذا كان العرض الصحي أو الطبي بسيطا أو خطيرا. بل إن رؤية استخدام حق الرعاية الصحية كخيار استهلاكي مدفوعا ب«الإفراط في الاستخدام» يحمل المرضى مسؤولية نقص تدريبهم الطبي غير المطلوب. والنتيجة هي تردد المرضى في طلب الرعاية اللازمة بسبب مبلغ التحمل ودخولهم في مرحلة التخمين فيما يتعلق بصحتهم، مما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.

كما يوجد منطق لشركات التأمين في نقل المطالبات الروتينية منخفضة التكلفة إلى المريض تحت غطاء نسبة التحمل، مما يوفر على شركات التأمين عبء معالجة المعاملات الصغيرة. بينما واقع الرعاية الصحية يشير إلى أن نقل المطالبات لا يلغي العمل الإداري المتعلق به، بل ينقله ويضاعفه في جميع أنحاء منظومة الرعاية الصحية. إذ بات على العيادات توظيف فرق فوترة لتتبع المبالغ التي يتحملها المريض، ومعالجة المدفوعات، وإدارة التحصيلات، وشطب الديون وما إلى ذلك. وبالنظر إلى الأثر الإنساني، فستتحول العلاقة بين العيادة والمريض إلى عملية تحصيل ديون، وتدخل المرضى في سلسلة من الفواتير الطبية المبهمة، وساعات من البحث عن أسباب عدم تغطية زيارة روتينية، مما يفاقم من الأثر النفسي للمرض على المرضى وعائلاتهم.

يجب ألا يضطر الإنسان إلى المفاضلة بين ملاءته المالية وبقائه على قيد الحياة. وفي الوقت نفسه، يجب حماية النظام الصحي من الاستهلاك الانتهازي من قِبَل بعض المؤمَن عليهم.

على شركات التأمين الصحي العودة إلى جوهرها الأخلاقي في كون التأمين الصحي آلية للتضامن الجماعي، حيث يدعم الأصحاء المرضى، ويدعم الميسورون الفئات الأقل حظا مع توزيع جزء بسيط جدا من تكلفة الرعاية بإنصاف على المجتمع - إذا كان لا بد من ذلك - دون معاقبة من يمرضون. ولا يتم ذلك دون إجراء دراسات استقصائية وذات طابع تحليل نوعي عن نظام التأمين الصحي السعودي.

تعتبر الخدمة الصحية حقا للمواطن وذلك بحسب المادة (31) من النظام الأساسي للحكم، أن «تعنى الدولة بالصحة العامة، وتوفر الرعاية الصحية لكل مواطن». كما يؤكد النظام الصحي السعودي بحسب المادة (2) على «ضمان توفير الرعاية الشاملة المتكاملة لجميع السكان بطريقة عادلة وميسرة وتنظيمها». لا تكمن مهمة شركة التأمين أو النظام الصحي الوطني في ابتكار طرق ذكية لإدارة المخاطر عبر إشراك المستهلك في التكلفة، بل في ضمان وصول عادل ودون عوائق إلى سبل الشفاء والصحة، باعتبار ذلك شرطا أساسيا للمجتمع المتحضر بما يحقق رؤية صحية شاملة في إطار رؤية 2030.