أيدلوجيا المتسعودين
محمد المغيري3 دقائق للقراءةحجم الخط
كنا ونحن صغار نركض إلى الحارة بعد كل حلقة من «كابتن ماجد» لنعيد تمثيلها، ولم يأمرنا أحد بذلك، فالعين معلم صامت وما ألفه القلب قلده، وقد قال ابن خلدون إن «المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب». واليوم عاد «ماجد» أخطر مما كان، فلم يعد في التلفاز بل في شاشة بيد كل طفل، وجاء هذه المرة بوجهنا ولهجتنا: حساب يلبس ملابسنا ويتحدث بلساننا، فإذا اطمأن إليه الناس مرر عبره سلوكا لا يشبهنا على أنه منا. وهذا ما أسميه «انتحال الجنسيات»، أن يلبس شخص أجنبي هوية مجتمع اَخر ليزيد عامل الإقناع به معتقدا بأنه لو ظهر بهويته وجنسيته الحقيقية سيقصى وهذا هو مفهومهم الدارج، ولكن المؤسف أن هناك من يتابعه لأنه مصدق، والمؤسف أكثر أن هناك من يتابعه من أجل الفضول! ليمنح تصرفاته الخاطئة مشاهدات وقناعة تتزايد مع الوقت ويتحول تأثيرها على الميدان، ليتحول السلوك الفردي الشاذ إلى صورة تقول للمشاهد «هكذا هم السعوديون».
وهو أسلوب ناجح لأن الناس تصدق من يشبهها قبل أن تفحص ما يقول، فلا يحتاج المنتحل إلى حجة، يكفيه أن يكرر الفعل بلسان «ابن البلد» حتى تألفه العين، وهنا تتحرك حدود المقبول في المجتمع خطوة بعد خطوة، وهو ما يسميه الباحثون «نافذة أوفرتون»، ويصمت المخالف حين يظن نفسه وحيدا. انتحال الجنسية ليس وليد المنصات؛ فقبله بعقود لبست بريطانيا ثوب ألمانيا وأطلقت إذاعة «جنود كاليه» بلسان برلين، يصغي إليها نحو 41% من الجنود الألمان، تطربهم وتصدقهم القول، ثم تهمس لهم بأن زوجاتهم في البيوت لسن كما تركوهن؛ فما احتاجت إلى رصاصة، يكفيها شك واحد يسكن البيوت.
واليوم لم يعد الناس بحاجة إلى مذياع ولا تلفاز؛ ففي جيب الطفل والرجل والمرأة هاتف كفيل بأن يوصل المنتحل إلى كل بيت، وهذا ما وثقته لائحة اتهام وزارة العدل الأمريكية عام 2018، إذ أنشأت وكالة روسية حسابات تتقمص أمريكيين، قدرت فيسبوك أن محتواها بلغ نحو 126 مليون شخص، وحددت تويتر (إكس حاليا) 3814 حسابا تابعا لها، ومنها صفحة «قلب تكساس» التي تقمصت أهل الولاية فجمعت 250 ألف متابع و4.8 ملايين مشاركة.
ولم يقف الأمر عند الكبار؛ فقد حذفت «ميتا» 134 حسابا إيرانيا يتحدث بلسان الأسكتلنديين عن كرة القدم ومدنهم واهتمامهم العاطفي في كل الجوانب، وحين كشفت «إكس» عام 2025 مواقع الحسابات ظهر أن «أمريكيين» يتحدثون من نيجيريا وبنغلاديش وتايلاند وشرق أوروبا، بعضهم بصور مسروقة لممثلات أوروبيات، بهدف التكسب؛ فصارت الهوية سلعة تُباع وتشترى، والمنتحل: (متلون مأجور)، والخيط واحد: قناع يتم لبسه حتى يستعير ثقتك، ثم يمرر عبره ما لا تقبله من غريب؛ فالضحية يجب أن يتم استدراجها من أي اهتمام سواء رياضي أو مجتمعي أو حتى اقتصادي وسياسي.
واليوم بات من الضروري أن يتم وضع حد للمنتحلين لهويتنا السعودية، فمرة نرى امرأة تظهر تتحدث السعودية وتمارس سلوكيات لا تمثل نساء المملكة، ومرة أسرة بأكملها تظهر عبر بث وكأنها أسرة سعودية لتذوب المفاهيم والعادات والتقاليد لدى النشء، فهؤلاء المنتحلون هدفهم الوحيد هو «المال» والتكسب من خلال مشاهدات برامج التواصل بأنواعها، وكلنا أمل في تدخل الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، وسن أنظمة لمثل هذه الظاهرة، وأن يتم ربط الحسابات الموثقة داخل السعودية بهوية المقيمين بأسمائهم وجنسياتهم الحقيقية، وأن تستمر في حجب كل من يحاول نشر سمومه ويعمم سوء أخلاقه على المجتمع بأكمله.
moha_alm@
