تفتح ملاحظات مجلس الشورى بشأن أثر البحوث وبراءات الاختراع، وتطوير الشراكات، وتنمية الموارد الذاتية، سؤالا حول قدرة الجامعات السعودية على تحويل إمكاناتها العلمية إلى موارد تدعم استمرار رسالتها، وتكشف هذه الملاحظات عن ترابط يستحق العناية؛ فالقيمة المالية للمعرفة تتشكل عبر جودتها، وحاجة المجتمع إليها، وقدرة المؤسسة على إيصالها إلى المستفيد. ومن ثم، فإن تنمية الإيرادات تستلزم النظر في الصلة بين إنتاج المعرفة وتطوير تطبيقاتها واستثمار فرص استخدامها.

وقد تتوافر البحوث والفعاليات والشراكات، بينما يظل إسهامها المالي محدودا حين تدار بوصفها أنشطة منفصلة، دون مسار يتابع انتقال نتائجها إلى الاستخدام، فالمشروع المنشور قد يحمل فرصة تحتاج إلى تطوير، والتعاون المعلن يتطلب عملا مشتركا، والبراءة المسجلة تنتظر اختبار جدواها التطبيقية، وتكمن المسألة في قدرة الجامعة على وصل هذه المراحل، وتحديد احتياجات كل مرحلة، وتوفير الخبرات التي تساعد على تجاوزها.

ويبدأ بناء هذا المسار من الظروف التي يعمل فيها الباحث؛ إذ تؤثر الأعباء الأكاديمية، وإتاحة التجهيزات، واستقرار الدعم، وفرص التعاون في نوعية المشروعات الممكنة، ويتيح تنظيم هذه الظروف لأعضاء هيئة التدريس المشاركة في فرق تتكامل فيها الاختصاصات وتتراكم خبراتها، كما يساعد ارتباط بعض المشروعات باحتياجات القطاعات المهنية على فتح فرص للتمويل والتعاقد، مع استمرار دعم البحوث الأساسية التي تنضج منافعها على مدى أطول.

ثم تأتي مرحلة تطوير النتائج، وفيها تحتاج الجامعة إلى اختيار ما يستحق دعما إضافيا وفق أصالته، وإمكان تطبيقه، وحجم الحاجة إليه، وتفيد مشاركة المستفيدين مبكرا في اختبار الافتراضات وتحسين الحلول وتقدير فرص تبنيها، فنجاح الابتكار يتأثر بملاءمته لظروف الاستخدام، وبقدرة الشريك على الاستفادة منه، وباستمرار التطوير بعد التجربة الأولى، ويمنح التركيز على مجالات تتميز فيها الجامعة فرصة لبناء خبرة أعمق وعلاقات أكثر استقرارا.

وبموازاة ذلك، توسع المؤتمرات والملتقيات دائرة التواصل العلمي والمهني، وتتيح عرض النتائج ومناقشتها والتعرف إلى احتياجات جديدة، ويتحقق إسهامها في تنمية الموارد بصورة غير مباشرة، عبر تعاون بحثي أو مشروع مشترك أو خدمة متخصصة تنشأ عن هذا التواصل؛ ولذلك تحتاج المشاركة إلى متابعة مؤسسية تحفظ العلاقات، وتتيح تبادل المعرفة المكتسبة، وتساعد الباحثين على تطوير فرص التعاون التي ظهرت خلال اللقاءات.

وتؤدي مسابقات الابتكار والمعارض دورا مختلفا في اكتشاف الأفكار وتوسيع مشاركة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وترتبط قيمتها باستمرار رعاية المشروعات الواعدة بعد انتهاء الفعالية، من خلال الإرشاد والتجريب وإتاحة المرافق، كما يفيد إشراك المتخصصين والمستفيدين في تقويمها، وتحديد ما يمكن تطويره منها، ويصبح الدعم أكثر فاعلية حين ينتقل مع المشروع بحسب تقدمه واحتياجاته، وتراجع فرص استمراره على أساس النتائج.

ويقتضي اتصال هذه الجهود مسؤولية مشتركة تجمع الكليات والأقسام والجهات المساندة ضمن أولويات واضحة، فتوزيع الأدوار وتبادل المعلومات ييسران الوصول إلى الخبرات والمرافق، ويحدان من ازدواج العمل، ويمتد هذا التكامل إلى التخصصات الإنسانية والاجتماعية، بما تقدمه من دراسات واستشارات وبرامج تدريب وخبرات في فهم السلوك والثقافة والتعليم، ويتيح تنوع الاختصاصات توسيع مجالات الإفادة من المعرفة ومراعاة آثار تطبيقاتها في المجتمع.

أما الاستدامة المالية، فتتطلب تقدير قدرة هذه الأنشطة على توليد موارد يمكن استمرارها، في ضوء ما تحتاجه من إنفاق والتزامات، وتتنوع الفرص بين الدعم البحثي والعقود والخدمات المتخصصة وترخيص التطبيقات، وتتفاوت بحسب طبيعة المجال ونضج الخبرة، ويساعد تنويع الشركاء وإعادة توظيف جزء من العوائد في الباحثين والمرافق على تجديد القدرة المنتجة للدخل، وربط التمويل بتطوير العمل الأكاديمي.

وعليه، فإن تحويل البحث والابتكار إلى روافد مالية يعتمد على إحكام الروابط بين الكفاءات والمشروعات والمستفيدين، وأرى أن الأولوية هي بناء مسارات تستطيع الجامعة متابعتها من الفكرة إلى الاستخدام، وتقدير أثرها العلمي والمجتمعي والمالي وفق طبيعتها؛ وبهذا تتجه الاستجابة لملاحظات الشورى نحو تطوير قدرة مؤسسية متجددة، تسهم في مستهدفات رؤية السعودية 2030 وتمنح الجامعات أساسا أمتن لاستمرار رسالتها.

Drmutir@