من يحمي فكر المجتمع.. النظام أم الوعي؟!
عمر العمري3 دقائق للقراءةحجم الخط
مر المجتمع خلال الفترة الماضية بعدد من الموجات والأحداث التي هددت نسيجه الاجتماعي، وأذكت الفتنة والشك في العلاقات الإنسانية والأسرية، أو أججت التعصب المقيت، العنصري أو الرياضي، بالتزامن مع انطلاق برامج رياضية جديدة بدت في بعض الأحيان وكأنها تبحث عن «الترند» والشهرة وكثرة المشاهدات، على حساب النقد البناء والتحليل المتوازن، لكن من المؤسف أن بعضها تحول إلى أدوات لاجترار الماضي، واستحضار الخلافات القديمة، وإعادة تدوير الخصومات، والنقد اللاذع، أو لعب دور المحقق في بعض الأحيان، بما يتجاوز حدود المنافسة والرياضة إلى التشكيك والتجريح والمزايدات في المفهومية والوطنية الرياضية، وكأن بعض هذه البرامج اكتشف أن الماضي أكثر قابلية للتسويق من الحاضر، وأن الصدام واحتكاك الآراء المتعارضة، والصوت المرتفع، وإثارة الخلاف بين ضيوف البرنامج، أكثر جذبا للمشاهد من التحليل الفني والمهني والنقد البناء والمفيد.
وهنا، لا أتحدث عن البرامج الرياضية فقط، بل عن كل ما يؤثر في طبيعة الفكر وسلامته، وفي النسيج الاجتماعي وتماسكه وتطوره، مع ما تعيشه بلادنا المباركة من تطور ونهضة اقتصادية واجتماعية ورياضية واعدة، وحقبة جديدة تحتاج إلى أدوات جديدة لمواكبتها.
تبدأ قصة التشويه عندما تفرَغ المفاهيم الإنسانية والاجتماعية النبيلة من مضامينها الحقيقية، على يد أشخاص يفتقرون إلى المعرفة والثقافة، تدفع بهم تطبيقات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها إلى الواجهة والشهرة، مستفيدين من أدوات اتصال حديثة وفضاء مفتوح، دون وعي كافٍ أو ثقافة أو مسؤولية، فيتحول التأثير من بناء الوعي إلى صناعة الجدل، ومن الحوار إلى الاستقطاب، ويهرفون بما لا يعرفون، فتضرب قيم العمل والعلاقات والمبادئ، وقد يشوَه وعي المجتمع وفكره وفق مصالح فردية مؤقتة، أو أهواء وتجارب شخصية، من أجل الشهرة أو الجذب أو المشاهدات.
وهنا تكمن الخطورة؛ فالمشكلة ليست في اختلاف الآراء، بل في بث الفتنة، والانتقام من الماضي، وتحويل التأثير إلى أداة لهدم الثقة في الإنسان وقيمه، والأسرة ومبادئها، والمجتمع وتمسكه وعاداته.
السؤال: من يحمي نسيج المجتمع وفكره وتقدمه وتطوره؛ النظام أم الوعي؟!
بكل تأكيد، كلاهما في علاقة تكاملية، نحتاج إلى النظام والقوانين لوقف هذا الخطر الجارف الذي يقوض ويهدد المجتمع وقيمه وعلاقاته ونسيجه المتماسك ومكاسبه الفكرية والثقافية، ونحتاج إلى الوعي والفكر المثقف كحلول ناجعة تنبه وتنور وتحاور وتقنع؛ لأن النظام مهما بلغ من إحكام وصرامة، قد يعجز عن مراقبة النوايا وضبط الضمائر، ولا يستطيع أن يزرع روح التسامح أو يقمع جذور التعصب، وقد يؤثر على مساحات حرية الرأي.
فالوعي الفردي أو الجمعي هو الحصن الذي يفكك شفرات التشويه قبل أن تحط رحالها في عقول النشء، وهو الرقيب الذاتي الذي يحرس الفضيلة والتماسك، ويعزز القيم والمبادئ، ويستمر في إضاءة الطريق للمجتمع وحمايته من المهددات، وهذا أحد أهم أدوار الكتاب والمثقفين في رصدها وتحذير المجتمع منها.
أما بالنسبة لبعض البرامج الرياضية، التي هي جزء من هذا المشهد: فأعتقد أنه آن الأوان لكي تتطور، بوجوه جديدة، ذات لياقة بدنية ومهنية عالية، تضع الاحترافية والتحليل الفني والتخصصي والنقد الرياضي البناء بمعايير عالمية محايدة، تواكب المرحلة الجديدة، وتقدم للمشاهد قيمة حقيقية.
3OMRAL3MRI@
