لم يعد الطب الوراثي يكتفي باكتشاف الطفرة الجينية أو تسمية المرض؛ إذ يتجه الطب الحديث إلى تحويل المعلومات الجينومية إلى قرارات تبدأ بالفحص المبكر، وتمر بالتشخيص الجزيئي وتفسير المتغيرات، وصولًا إلى العلاج الدقيق ومتابعة الاستجابة. وهو التحول الذي عكسته أعمال المؤتمر الدولي للجمعية السعودية للطب الوراثي والجينومي 2026، الذي اختتم أعماله مساء الخميس الماضي في جدة، تحت عنوان «من التشخيص إلى العلاج في علم الجينوم»، بمشاركة مختصين وباحثين من المملكة وخارجها.

وعلى مدى يومين، ناقش المؤتمر تسع جلسات علمية وأربع ورش عمل تناولت موضوعات امتدت من فحص حديثي الولادة والجينوم قبل الولادة، إلى الأمراض الوراثية والاستقلابية والأورام، ثم العلاجات الدقيقة والصيدلة الجينية والذكاء الاصطناعي؛ بما يعكس انتقال الطب الجينومي من نطاق تشخيصي متخصص إلى مكوّن متنامٍ في منظومة الرعاية الصحية.

وأبرزت جلسات الفحص الوراثي أهمية اكتشاف بعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، خصوصًا الأمراض الوراثية والاستقلابية لدى حديثي الولادة، حيث يمكن للتشخيص المبكر والتدخل في الوقت المناسب الحد من مضاعفات خطيرة. كما تناول المؤتمر الطفرات الجديدة De novo mutations التي تظهر لدى الطفل ولا تكون موروثة بصورة مباشرة من الوالدين، مع الإشارة إلى ارتباط تقدم عمر الأب بزيادة بعض هذه الطفرات، من دون أن يعني ذلك حتمية الإصابة بمرض وراثي، وهو ما يبرز أهمية تفسير النتائج والاستشارة الوراثية.

وامتد النقاش إلى الجينوم قبل الولادة، ونماذج الأجنة القائمة على الخلايا الجذعية، والرعاية متعددة التخصصات، والفحص غير الجراحي NIPT وتشخيص الأمراض الوراثية أثناء الحمل. ويتيح NIPT تقدير احتمال وجود بعض الاختلالات الكروموسومية من خلال تحليل المادة الجينية الجنينية الموجودة في دم الأم، لكنه يظل اختبار فحص لا تشخيصًا نهائيًا، وقد تستدعي النتائج مرتفعة الخطورة فحوصًا تشخيصية مؤكدة وفق الحالة وتقييم الفريق الطبي.

وفي مجال التشخيص الجزيئي، تناول المؤتمر الفحص الجيني قبل زرع الأجنة، وتشخيص ضمور العضلات الشوكي SMA وضمور العضلات الدوشيني DMD، إلى جانب المظاهر العينية والشعاعية للأمراض الوراثية والاستقلابية. ولم تعد قيمة التشخيص الجزيئي مقتصرة على تسمية المرض؛ إذ قد يكشف التغير الجيني والآلية المرضية القابلة للاستهداف، بما يعزز فرص التدخل المبكر وإدارة الحالة، خصوصًا مع تطور علاجات موجهة لبعض الطفرات والآليات المرضية.

وفي اليوم الثاني، اتجهت المناقشات إلى السؤال الأهم: ماذا نفعل بالمعلومة التي يكشفها الجينوم؟ وتناولت الجلسات إعادة تقييم الحالات غير المحلولة باستخدام التسلسل الكامل للجينوم، وتفسير المتغيرات الجينية، والمعلوماتية الحيوية، والصيدلة الجينية. ويظل تفسير النتائج من أكثر مراحل الطب الجينومي تعقيدًا، فوجود تغير جيني لا يعني تلقائيًا أنه سبب المرض، وقد تصنف بعض النتائج بوصفها VUS، أي «متغيرات ذات دلالة غير مؤكدة»، إلى أن تتوافر أدلة علمية تسمح بإعادة تقييمها وتصنيفها.

وفي السياق ذاته، بحثت الصيدلة الجينية في توظيف الاختلافات الوراثية لفهم استجابة بعض المرضى للأدوية، بما قد يساعد في اختيار الدواء أو الجرعة في الحالات التي تدعم فيها الأدلة العلمية هذا النهج.

وحظي السرطان بمساحة مهمة من البرنامج، من خلال بحث تقنيات Multi-omics وتسلسل الخلية الواحدة في سرطان الثدي، والخزعة السائلة، والمستجدات الجينومية في أورام الدم. وتتيح تقنيات تسلسل الخلية الواحدة دراسة الاختلافات بين الخلايا داخل الورم نفسه، فيما تجمع Multi-omics طبقات متعددة من المعلومات البيولوجية لفهم تغاير الأورام وآليات تطورها ومقاومتها للعلاج بدرجة أكثر تفصيلًا. كما تبحث الخزعة السائلة في عينات الدم عن مؤشرات مرتبطة بالورم، ومنها ctDNA، مع بقاء استخدامها السريري مرتبطًا بنوع السرطان والحالة، وعدم اعتبارها بديلًا شاملًا عن الخزعة النسيجية أو التصوير.

وفي محور العلاجات الدقيقة، تناول المؤتمر أحدث التطبيقات في العلاج الجيني وبعض الأمراض الاستقلابية والوراثية النادرة، إلى جانب الأهداف العلاجية الجزيئية في الأورام؛ بما يعكس تحولًا في مفهوم العلاج من التعامل مع المرض بوصفه حالة واحدة إلى إمكانية تصنيف المرضى وفق خصائصهم البيولوجية، واختيار تدخل يستهدف آلية مرضية محددة عندما تسمح الأدلة والخيارات العلاجية بذلك.

أما الذكاء الاصطناعي، فحضر بوصفه أداة لمواجهة الحجم المتزايد للبيانات الناتجة عن تقنيات مثل WGS وWES وRNA sequencing وSingle-cell وSpatial omics، من خلال المساعدة في اكتشاف الأنماط، وربط البيانات الجينية بالمعلومات السريرية وترتيب الاحتمالات. ومع ذلك، يظل تفسير النتائج وربطها بالحالة واتخاذ القرار الطبي من اختصاص الطبيب والمختص. كما تفرض البيانات الجينية تحديات خاصة في الخصوصية والحوكمة؛ لأنها قد تحمل معلومات تتجاوز الفرد إلى أفراد أسرته، ما يجعل الموافقة المستنيرة وحماية البيانات جزءًا أساسيًا من التوسع في استخدام الجينوم والذكاء الاصطناعي.

وتأتي هذه التحولات في وقت تتوسع فيه المملكة في علوم الجينوم، وفي مقدمتها برنامج الجينوم السعودي، الذي يستهدف توظيف المعلومات الجينية في الوقاية والتشخيص والعلاج، وبناء بنية وطنية للبيانات والمعلوماتية الحيوية. وتكتسب دراسة الخصائص الجينية للسكان السعوديين أهمية خاصة، إذ إن زيادة تمثيل السكان المحليين في المراجع الجينومية يمكن أن تسهم في تحسين اكتشاف المتغيرات الجينية وتفسيرها، خصوصًا في الأمراض الوراثية. ولا تقتصر هذه المنظومة على المختبر، بل تتطلب تطوير الكفاءات المتخصصة والمعلوماتية الحيوية والبنية التحتية للبيانات والاستشارة الوراثية وآليات الحوكمة.

وامتد البعد التطبيقي إلى ورش العمل التي تناولت الطوارئ الاستقلابية والتدبير الغذائي لبعض الأمراض الوراثية، إلى جانب الجوانب المرتبطة بالتشخيص والاستشارة الوراثية. وتبرز الاستشارة هنا باعتبارها حلقة لا غنى عنها؛ فالنتيجة الجينية قد تعني المريض وأفراد أسرته، وقد تثير أسئلة حول احتمالات تكرار المرض والفحوص الأسرية والخيارات الإنجابية، ولذلك لا تكتمل قيمة الفحص بمجرد إصدار النتيجة، وإنما بفهم معناها وحدودها وكيفية توظيفها في القرار الطبي.

واختُتمت فعاليات المؤتمر بجلسة توعوية موجهة للمجتمع حول الأمراض الوراثية، تناولت التعريف بها وأهمية الكشف والتشخيص والاستشارة الوراثية، بمشاركة الدكتورة ودّ مجدلي وعدد من المختصين، تأكيدًا على أن التطور العلمي لا يكتمل من دون وعي المريض والأسرة بمعنى النتائج الجينية وحدودها وسبل التعامل معها.

وفي ختام المؤتمر، حصدت ثلاثة أبحاث جوائز أفضل الملصقات والأبحاث العلمية، تقديرًا للتميز البحثي والمساهمات العلمية في مجال الطب الوراثي والجينومي. وجاء في المركز الأول بحث فريق جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية كاوست بعنوان «NanoRangerTM Enables Rapid Single-Base-Pair Resolution of Genomic Disorders»، الذي قدم تقنية تعتمد على التسلسل طويل القراءة لتحديد التغيرات الجينية المعقدة بدقة عالية، بما قد يسهم في تحسين التشخيص الجيني وتطوير فحوص أكثر دقة للكشف عن حَمَلة الأمراض الوراثية. وأعد البحث Yingzi Zhang وChongwei Bi وSeba Nadeef وSateesh Maddirevula وMashael Alqahtani وFowzan S. Alkuraya وMo Li.

وحل ثانيًا بحث الدكتورة Dania Awata وفريقها من جامعة حمد بن خليفة في قطر، بعنوان «Mapping the circular RNA landscape in breast cancer highlights its diagnostic and therapeutic potential in Triple Negative Cancer»، الذي تناول دور الحمض النووي الريبي الدائري في سرطان الثدي الثلاثي السلبي، وكشف عن مؤشرات جزيئية واعدة يمكن أن تسهم مستقبلًا في التشخيص وتطوير أهداف علاجية جديدة.

وجاء في المركز الثالث بحث من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة بعنوان «Targeted Molecular Characterization and In Silico Functional Assessment of TP53 Variants in Saudi Patients with Diffuse Large B-Cell Lymphoma»، وأعده فريق ضم عبدالله الرحماني وصابرين بخاري وأسماء العطاس ورؤى قدم وصفاء الدهلوي وPeter Natesan Pushparaj ودعاء القعيدي وعائشة العليمي وهبة الخطابي، وتناول التغيرات الجينية في جين TP53 لدى مرضى سرطان الغدد الليمفاوية المنتشر كبير الخلايا البائية، وأهميتها المحتملة في فهم الخصائص الجزيئية للمرض.

وسلّمت رئيسة الجمعية السعودية للطب الوراثي المستشارة علياء قاري، ورئيس المؤتمر الدكتور خالد الوسية، شهادات التكريم للفائزين، في ختام برنامج علمي شاركت فيه نخبة من المختصين والباحثين. وكان مدير مستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة الدكتور صلاح باز قد رعى افتتاح المؤتمر ظهر الأربعاء الماضي.

ويختصر المؤتمر التحول الأعمق الذي يشهده الطب الجينومي: لم يعد السؤال «ما المرض؟» فقط، بل «ما سببه الجزيئي؟ وماذا تعني هذه المعلومة لهذا المريض تحديدًا؟ وهل يمكن أن تغيّر تشخيصه أو علاجه أو طريقة متابعته؟». ومن هنا تتضح دلالة عنوان المؤتمر «من التشخيص إلى العلاج»؛ فالقيمة الحقيقية للجينوم لا تكمن في قراءة ملايين الرموز الوراثية، وإنما في تحويلها إلى معرفة سريرية دقيقة، ثم إلى قرار طبي أكثر تخصيصًا، عندما تدعم الأدلة العلمية والخيارات العلاجية ذلك.