في المقال السابق تحت عنوان (حين يصبح العقل هو الغنيمة من يكتب عقل الطفل حين ننشغل عن تربيته؟) كان السؤال: من يكتب عقل الطفل حين ننشغل عن تربيته؟
لكن السؤال لا يتوقف عند الطفل وحده.
فكل جيل يترك أثره في الجيل الذي يليه، وكل مجتمع يقرر — بوعي أو من دون وعي — ما الذي يريد أن يزرعه في عقول أبنائه.
ولهذا فإن قضية الوعي ليست قضية أسرة وحدها، ولا مدرسة وحدها، ولا كتاب وحده.
إنها مسؤولية مجتمع كامل.
نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الطفل ينتظر حتى يكبر لكي يكتشف العالم.
العالم يدخل غرفته.
يجلس إلى جواره.
يتحدث إليه بلغته.
يعرف ما يحب، وما يكره، وما يجذبه، ثم يقدم له المزيد.
وهنا لا تكمن المشكلة في وجود التكنولوجيا، وإنما في أن التكنولوجيا أصبحت أحيانًا أسرع منا في الوصول إلى الطفل.
نحن نقول له: اقرأ.
وهي تقول له: شاهد.
نحن نقول: اصبر حتى تفهم.
وهي تقول: كل شيء الآن.
نحن نطلب منه أن يبحث عن الحقيقة.
وهي تمنحه آلاف الإجابات قبل أن يتعلم كيف يطرح السؤال.
وبين الطرفين يقف الطفل.
لا باعتباره ضحية، ولا باعتباره خطرًا، وإنما باعتباره إنسانًا يتشكل.
ومن الخطأ أن نطلب من الطفل أن يواجه هذا العالم وحده.
فالوعي لا يولد من المنع.
ولا يولد من التخويف.
ولا يولد من الصراخ في وجه التكنولوجيا.
الوعي يولد من الحوار.
من أن نجلس مع الطفل ونسأله:
ماذا شاهدت اليوم؟
لماذا أعجبك؟
هل تعتقد أنه صحيح؟
من قال لك ذلك؟
هل هناك رأي آخر؟
أسئلة بسيطة، لكنها قد تصنع عقلًا مختلفًا.
فالطفل الذي يتعلم السؤال اليوم، يصبح غدًا إنسانًا يصعب أن تقوده أي فكرة دون أن يفحصها.
وهنا يعود الكتاب إلى مكانه الحقيقي.
ليس بوصفه خصمًا للشاشة، وإنما بوصفه أحد الأدوات التي تمنح الإنسان القدرة على التفكير والتأمل والمقارنة.
قد يقرأ الطفل كتابًا ثم يستخدم هاتفه.
وقد يشاهد فيلمًا ثم يبحث عن الحقيقة في كتاب.
وقد يتعلم من الإنترنت، ثم يناقش ما تعلمه مع والديه ومعلمه.
المهم ألا يصبح مصدر واحد هو المصدر الوحيد.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يعرف معلومة خاطئة.
بل أن يعتقد أنه لا يحتاج إلى السؤال عنها.
وهذا ما يجعل معركة الوعي أكثر تعقيدًا من مجرد الحديث عن الألعاب أو التطبيقات أو الشاشات.
إنها معركة على طريقة التفكير نفسها.
كيف نعلّم أبناءنا أن يفرقوا بين الإعلان والمعلومة؟
بين الرأي والحقيقة؟
بين الترفيه والتأثير؟
بين من يريد أن يسلّيهم ومن يريد أن يغيّر طريقة رؤيتهم للعالم؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى طفل خائف.
بل إلى طفل واعٍ.
ولا تحتاج إلى أسرة تغلق كل الأبواب.
بل إلى أسرة تعرف كيف تفتح الأبواب، وتبقى إلى جوار أبنائها وهم يكتشفون العالم.
ولهذا فإن رواية «هي الحداية بترمي كتاكيت؟!» ليست حكاية عن التكنولوجيا وحدها.
إنها حكاية عن السؤال.
عن الهدية التي تبدو مجانية.
عن الشيء الذي يدخل حياتنا بسهولة، ثم نكتشف بعد فترة أنه ترك أثرًا فينا.
وربما يكون هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا جميعًا:
ماذا نسمح له أن يدخل إلى عقول أبنائنا؟
فالأبواب التي نحرسها في بيوتنا كثيرة.
نغلق باب المنزل.
ونغلق باب السيارة.
ونحرص على سلامة الطفل في الطريق.
لكن...
هل نحرس الباب الذي يدخل منه العالم إلى عقله؟
ربما آن الأوان أن نفعل.
لأن الطفل الذي نتركه اليوم أمام العالم بلا أدوات، لن يبقى طفلًا إلى الأبد.
سيكبر.
وسيحمل معه كل ما سمحنا له أن يدخل.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية.
ليس أن نختار له العالم...
بل أن نمنحه القدرة على اختياره.
وليس أن نفكر بدلًا منه...
بل أن نعلّمه كيف يفكر.
فحين يصبح العقل هو الغنيمة...
يصبح السؤال الأول:
من يكتب؟
والسؤال الأهم:
من يترك القلم؟

