قصيدة «أشواق» التي كتبها الشاعر مصطفى عبدالرحمن والتي أطلق عليها المؤرخ العنتبلي قصيدة «الآهات الكبرى» نسبة إلى آهات رياض السنباطي الذي تغنى بها بطريقة فريدة أعطت المستمع انطباعا وجدانيا تجاوز النص الشعري.. يأخذك معها الصوت الرخيم في رحلة أثيرية إلى أعماق الشجن الدافئ.. المعنى يحمل تأويلات عدة، ويبدو أن القصيدة كتبت إلى حبيب غاب لكن أثره موجود في وجدان الشاعر. هذه القصيدة صورت الروح التي انطبعت في المكان وبقيت هائمة بين زمن الماضي والحاضر.

«أيها الناعم في دنيا الخيال..» جموح عاطفي، واستغراق في الوهم، والفانتازيا العاطفية، ومناجاة رقيقة تحمل استدعاء لزمان مضى وانطوى يقود إلى بوابة زمنية نحو مرحلة الشباب وليال خالدة طوتها الأيام. مدن وأحياء تقليدية عشناها بكامل تفاصيلها.. أزقة أبواب وساحات ومساكن نستذكر فيها «العهد وماضي الصفحات».. هي التي بقيت في الذاكرة والوجدان ومحيت من الوجود.. هذه الصفحات التي مثلت التجربة الاجتماعية بكامل تفاصيلها ولم تفهمها مشاريع الحداثة. أماكن عشناها لم تكن مجرد عناصر مبنية؛ بل علاقة ارتباط عاطفي بين المجتمع والمكان. نبحث عن الأسواق القديمة أو الأزقة الضيقة؛ بل نبحث عن ذاك المجتمع وتلك الذاكرة المنسية.

«أيها الناعم في دنيا الخيال..» كم تعلقت بك عندما بدأت بالتلاشي والاختفاء فما الذي بقي من ذاكرة المدينة؟ الأسوار أم البيوت؟ الجيران أم الوجوه التي تغيرت؛ لم يبق سوى ما بقي في ذاكرة الخيال. «أين أحلام شبابي..» عقود مضت شكلت قيمة اجتماعية للمكان، حتى جاءت آلة التطوير لتفرض قيمة اقتصادية وتستبدل مستخدمي المكان بغيرهم ليخسر السكان الأصليون ويفشل المشروع اجتماعيا حتى وإن نجح اقتصاديا. فمن يمتلك حق البقاء؟

«يا حبيبي أيقظ الماضي شجوني..» فالمدينة القديمة لم تعد موجودة سوى في ذاكرة كبار السن وحكايات الجدات.. نعم، كانت هناك ذاكرة جمعية فتحولت إلى منتج استثماري لم تنعكس عوائده على المجتمع. «لا رأت عيناك شكي وضلالي وحنيني ولهيب الذكريات» فهل ما زلت أنت المدينة التي أعرفها وهل ذاك الحي السكني الذي كنت أسكن فيه.. لم أتمكن من التعرف عليك؟ «عندما يعرضها الماضي لعيني».. حيث اختفت العلامات، وأزيلت الشوارع، وأغلقت الأسواق حتى صرت في شك وضلال. إنه الاغتراب الحضري حين تشعر أنك ضائع في المدينة. «آه لو تسمعني.. أشكو الجوى يا حبيبي» آهات تشكو منها المدينة.. تلك الآهات التي لم نسمعها؛ لأننا نظرنا إلى المكان ولم نسمعه.. نظرنا للأرض وللبناء المادي المحض.

صحيح، المدينة لا يمكنها أن تبقى أسيرة لذاكرتها؛ ولكن علينا أن ندرك أن التحسين المادي للمكان لا يقود بالضرورة إلى تحسين حياة الإنسان. ربما يقود هذا التحسين إلى إزاحة المجتمع وتراجع في انتماء السكان للمكان.

استعادة ذاكرة المدينة لا تعني بناء واجهات تاريخية وطراز معماري مستوحى من أنماط البناء المحلية؛ المهم، هو استعادة التجربة الاجتماعية والثقافة وقيم التلاحم والمحبة. المهم، هو إحياء المضمون الإنساني وليس تحنيط الحجر؛ لا أن نعيد سوقا شعبيا قديما بالطراز المعماري المحلي لنبتاع منه منتجات صنعت في الصين. والأهم، أن نصنع تجربة الإنسان، فالحفاظ العمراني لا يعني أن نعيد إحياء المكان لنعلن وفاته في اليوم نفسه.

«آه لو تسمعني..» إنها الآهات الكبرى، فالتخطيط يبدأ من سماع هذه الآهات بالقلب أولا لنفهم أن الإنسان يسكن زمنا نابضا بالحياة قبل المكان.