أيها المعلمون.. كل عام وأنتم بخير
عبدالله فدعق3 دقائق للقراءةحجم الخط
نستقبل غدا، الخامس من أكتوبر، «يوم المعلم» الذي اعتمدته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» مناسبة سنوية للاحتفاء بالمعلمين، والتذكير بمكانتهم وما يحتاجون إليه لأداء رسالتهم؛ ولعل هذه المناسبة العظيمة تدعونا إلى سؤال يتجاوز عبارات التهنئة وهو: ما الذي يبقى من أثر المعلم فينا، بعد أن نغادر المدرسة، وننسى كثيرا من دروسها؟
قد لا نتذكر المسألة التي شرحها المعلم، ولا السؤال الذي وضعه في الاختبار، لكننا نتذكر طريقته في الاستماع إلينا، وصبره علينا؛ ونتذكر معلما جعل السؤال أمرا محببا، وآخر منحنا الثقة في قدرتنا على الفهم، وثالثا علمنا أن الخطأ يمكن تصحيحه دون أن تمس كرامة صاحبه، ورابعا وخامسا؛ وفي كل التفاصيل تظهر قيمة المعلم؛ فله أثر في علاقة الإنسان بالمعرفة، وبنفسه، وبمن حوله.
لا شك أن وصف التعليم بأنه رسالة يحمل معنى عميقا، لكنه يحتاج إلى فهم متوازن؛ فالتعليم مهنة لها أصول ومهارات ومسؤوليات وأهداف وغايات، ورسالتها تتحقق حين يؤديها صاحبها بصدق وأمانة وإخلاص؛ ومحبة الطلاب تحتاج إلى كفاءة في تعليمهم، كما تحتاج المعرفة إلى حسن عرض، وإدراك لاختلاف قدراتهم وظروفهم؛ والمعلم الجدير بالتقدير هو الذي يجمع بين إتقان مهنته والوعي بأثرها الإنساني.
المتفطن لزمننا الذي تتسع فيه مصادر المعرفة، وتتسارع فيه أدوات التقنية والذكاء الاصطناعي، يبرز أمامه سؤال عن مستقبل المعلم ومكانته؛ فحين يستطيع الطالب الحصول على إجابة في ثوانٍ، تصبح الحاجة أكبر إلى معلم يعلمه كيف يفحص هذه الإجابة، ويميز بين الصحيح والزائف، ويعرف حدود ما يقرأ، وخاصة أن المعلومات المتاحة كلما زادت، ازدادت أهمية القدرة على المفاضلة بينها، وفهم سياقها، وتحمل مسؤولية استخدامها؛ وهنا يتسع دور المعلم ليشمل تنمية التفكير النقدي والتوجيه الأخلاقي، إلى جانب تعليم المعرفة ومهاراتها.
رسالة المعلم تتجدد حين يفتح للطالب باب الفهم، ويعوده حسن السؤال، ويدربه على التفكير، ويعينه على اكتشاف قدراته؛ ونجاحه في أن ينمو المتعلم حتى يستطيع أن يبحث ويتحقق ويختار بثقة ومسؤولية، وهذه المهمة تحتاج إلى بيئة تسند المعلم، وأسرة تتعاون معه، ومجتمع يحفظ مكانته؛ فالطالب يتأثر بما يسمعه في بيته عن معلميه، وبالطريقة التي يتعامل بها الكبار مع المدرسة، ومن حق الأسرة أن تسأل وتناقش وتبدي ملحوظاتها، كما أن من حق المعلم أن يسمع له، وأن تناقش أعماله بإنصاف واحترام، والتعاون بين الطرفين يعلم الأبناء أن الاختلاف يمكن أن يدار بأدب، وأن مصلحتهم مسؤولية مشتركة.
أختم بأن من تمام تقدير رسالة التربية والتعليم العناية بمن يحملها؛ فالمعلم إنسان له صحة وأسرة واحتياجات، واستقراره يعينه على صفاء الذهن وحسن الأداء؛ وأتطلع إلى أن يشمل معلمي ومعلمات التعليم الحكومي في المملكة «تأمين طبي» شامل لهم ولأسرهم، تتحمل جهة العمل تكلفته، وأن يقر لهم «بدل سكن» يعينهم على الاستقرار؛ ليكون ذلك إضافة كريمة إلى صور العناية بهم؛ فالاستثمار في استقرار المعلم يدعم جودة التعليم، ويسهم في بناء الأجيال التي تحمل مسؤولية مستقبل الوطن.
وأخيرا.. يوم المعلم فرصة لكل واحد منا أن يتذكر من علمه، وأن يسأل نفسه عما بقي منه في سلوكه وحياته؛ فقد يكون وفاؤنا لمعلمينا في حزم تعلمناه منهم، أو معرفة أحسنا استخدامها، أو احترام نقلناه إلى أبنائنا؛ وما نحتفظ به من أثرهم يصبح أمانة حين ننقله إلى غيرنا؛ فبعض الدروس تنتهي بانتهاء الحصة، وبعضها تمتد عمرا كاملا، وفي هذا الامتداد تظهر قيمة المعلم، ويتجدد استحقاقه للشكر والرعاية.
