أخشى إن اهتممت بهذه الموافقات أو الصدف أن أصل إلى درجة الشعوذة، نعم، ماذا تقول؟ لا عليك يا صديقي القارئ، إني أحدّث نفسي، وهذه درجة في سلم الصعود إلى الماورائيات - لا تسألني ما الماورائيات - ولو أقسمت لك أني لا أعرفها فربما أصابك الشك.

(أنت كثيرا ما تحب الاستطراد، وتعبث بنا في اللف والنشر، هات الزبدة).

نعم صحيح..

قبل صلاة ظهر اليوم التاسع من محرم لعام ألف وأربعمئة وسبعة وأربعين، والذي يأتي بعده عاشوراء، كنت أقرأ في كتاب للدكتور يوسف بن حزيم الموسوم بـ(قوانين الحياة.. إياك أن تكسرها)، ووقفت عند قانون عنوانه (اكتسب أصدقاء جددا)، فأعجبني المعنى؛ أن هؤلاء يزيدونك خبرة وتجارب ووجوها من الحياة لم ترها، فقمت بتصوير الصفحة، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود مسافة بينك وبين الصديق، واستشهد بموقف (لوحيد خان) حينما قرأ لوحة مرورية في بلاد الهند تحث على المحافظة على المسافة بينك وبين السيارة الأخرى.

هنا وقفت قليلا، وحاولت أن أعصر ذاكرتي ببيت أو حكمة تبين فضل المسافات المعقولة بين الأصدقاء، ولكن ذاكرة الكهول تخيب، فتذكرت كتابا لم أكمله للدكتور محمد الحمد يتحدث عن نوازل الصداقة، فقلت: لعل فيه ما ينقذ الذاكرة.

وإذا بي أجدني قد توقفت عند المسألة الحادية والأربعين، وهي تتحدث عن تعريف أصدقائك بأصدقائك الآخرين.

يا ترى.. هل هناك لغة بين الكتب؟ وهل يهمس بعضها لبعض؟ وكيف ترانا الكتب وتصنفنا؟

ومما لا شك فيه أنني عليهم دائما ضيف ثقيل؛ لا أحافظ على نظافة الصفحات، فإن لم تسلم من العفط والصفط فلن تسلم من رذاذ قهوة أو شاهي أو فتات كليجا، أما أني أرميه كيفما اتفق، فلا فرق عندي بين أبيض وأسود، كلهم سواسية في البهذلة والنسيان.

لقد زارني في المنام أحد الكتب التي أهديتها - قصدي أعرتها - وقلت له ما فعل الله بك؟ فأخذ يتوسل إليّ أن يبقى عند صاحبي مدة أطول؛ لأنه وجد النعيم والجنة والبخور والتكييف والمسح والمطخ، والمطخ نوع من أنواع البطيخ عند أهل المنامات، أما أهل اليقظة فإن المطخ عندهم بمثابة البوسة، ولها طعم كطعم البسبوسة.

آه.. نسيت ما كنت أحدثكم عنه، ونسيت ما كنت أبحث عنه من بعد وقرب المسافات بين الأصدقاء؛ فمن يعرف شاهدا أو بيتا أو حكمة فليسعفني.