تشهد المنطقة تحولا في معادلات الأمن والسياسة، مع استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية، وتصاعد نشاط الجماعات المرتبطة بطهران وعودة الحديث عن المفاوضات بين واشنطن وطهران. وفي الوقت ذاته، تقترب الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي، بما يفتح المجال أمام تغيرات سياسية قد تؤثر في أولويات الإدارة الأمريكية تجاه إيران والخليج.

وقد أبدى الرئيس دونالد ترامب استعدادا للقاء الرئيس الإيراني، فيما نقلت تقارير عن وجود شروط إيرانية للتفاوض، الأمر الذي يجعل المسار الدبلوماسي جزءا من إدارة الصراع إلى جانب أدوات الضغط والمواجهة.

وتبرز هنا أهمية عامل الزمن في السياسة الإيرانية؛ فإطالة المفاوضات قد تمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، أو انتظار تغيرات في البيئة السياسية الأمريكية. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود دليل على أن إيران تعمل بصورة مباشرة لإيصال الديمقراطيين إلى الحكم، وإنما يدل على أن نتائج السياسة الأمريكية تدخل في حساباتها التفاوضية.

فالتجربة السابقة أظهرت اختلافا بين نهج الضغط الأقصى الذي اتبعته إدارة ترامب، ونهج التفاوض الذي أفضى إلى الاتفاق النووي في عهد إدارة أوباما، وهو ما يجعل تغير الإدارة الأمريكية عاملا قد يؤثر في شكل العلاقة مع إيران، ومن ثم يمكن أن يدخل احتمال تغير السياسة الأمريكية ضمن حسابات طهران الاستراتيجية.

وبالنسبة إلى السعودية، فإن المسألة تتجاوز اسم الرئيس الأمريكي إلى مدى استقرار الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة. فقد أظهرت التطورات الأخيرة تعرض المملكة لهجمات حوثية، بينما لم تتجه واشنطن إلى تقديم التزام عسكري
مباشر في بعض الحالات، وهو ما يعكس أن الشراكة السياسية لا تعني بالضرورة تطابق الحسابات عند الأزمات. كما دفعت التطورات المملكة إلى تعزيز تعاونها مع شركاء آخرين، في إطار حماية أمنها ومصالحها.

ومن الناحية القانونية، فإن الاتفاقيات السعودية الأمريكية لا تتساوى في طبيعتها أو درجة إلزامها؛ فبعضها يكون اتفاقا دوليا، وبعضها تفاهما أو ترتيبا تنفيذيا، وقد يتطلب بعضها إجراءات داخلية أمريكية أو موافقة من الكونغرس.

ولذلك فإن تغير الإدارة الأمريكية لا يعني تلقائيا انتهاء الاتفاق، كما أن توقيع الاتفاق لا يعني بالضرورة التزاما أمريكيا مطلقا بكل ما قد يطرأ من أزمات مستقبلية. وتكمن أهمية ذلك بالنسبة للسعودية في ضرورة معرفة طبيعة كل اتفاق، وحدود الالتزامات التي ينشئها، والجهة الأمريكية المختصة بتنفيذه والآليات القانونية المتاحة عند الإخلال به. ومن هنا يصبح بناء الشراكة السعودية الأمريكية على التزامات مؤسسية واضحة أكثر أهمية من ربطها بالتقارب السياسي مع إدارة أمريكية بعينها.

وفي تقديري، ما زالت السعودية تعتبر الولايات المتحدة شريكها الاستراتيجي الرئيسي، لكنها في الوقت نفسه تتجه إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها وتنويع شراكاتها. وهذا لا يعني الابتعاد عن واشنطن، بقدر ما يعكس سعيا إلى التعامل مع بيئة دولية متغيرة تتداخل فيها المصالح وتتعارض أحيانا، بما يتطلب من المملكة توسيع خياراتها وعدم ربط مصالحها الاستراتيجية بطرف واحد.

ومن ثم، فإن انتقال السلطة في واشنطن، إذا حدث، قد يعيد ترتيب الأولويات تجاه إيران، لكنه لن يلغي المصالح الأمريكية الثابتة في الطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي. ولذلك فإن الرهان السعودي لا ينبغي أن يقوم على بقاء إدارة أمريكية بعينها، وإنما على بناء علاقة مؤسسية قادرة على الاستمرار مع تغير الإدارات.

وفي تقديري، فإن التحدي أمام السعودية لا يتمثل في التكيف مع إدارة أمريكية بعينها، وإنما في بناء علاقة استراتيجية مستقرة مع أي إدارة أمريكية، تقوم على المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة، مع امتلاك المملكة بدائل أمنية وسياسية واقتصادية تعزز قدرتها على حماية مصالحها والتعامل بمرونة مع التحولات الإقليمية والدولية.

expert_55@