تعداد سكاني جديد داخل أجسامنا
نبيل عبدالحفيظ الحكمي3 دقائق للقراءةحجم الخط
لسنوات طويلة، تكررت معلومة جذابة في كتب الأحياء والمحاضرات والمقالات العلمية: البكتيريا التي تعيش داخل أجسامنا وعلى الجلد تفوق خلايانا بنسبة عشرة إلى واحد، وأن الإنسان ليس «بشريا» إلا بنسبة 10%.
كانت العبارة مثيرة وسهلة الحفظ، ولذلك انتشرت حتى بدت حقيقة لا تحتاج إلى مراجعة. لكنها لم تكن دقيقة.
تعود القصة إلى عام 1972، عندما أجرى عالم الأحياء الدقيقة توماس لاكي حسابا تقريبيا: قدّر كثافة البكتيريا في القولون، وضربها في حجم افتراضي، ثم قارن الناتج بتقدير تقريبي لعدد خلايا الجسم. لم يقدم الرقم بوصفه قياسا نهائيا، بل كتقدير أولي يساعد على تصور الحجم. لكن مع مرور الوقت، نقلت المراجع الرقم عن بعضها، واختفت التحفظات، وتحول الحساب السريع إلى حقيقة محفوظة.
في عام 2016، قرر ثلاثة باحثين في معهد وايزمان إعادة العد من البداية. راجع العالم رون سندر والعالم شاي فوكس والعالم رون ميلو البيانات الأصلية، وكتبوا افتراضاتهم وحدود عدم اليقين بوضوح. وتوصلوا إلى أن جسم البالغ المرجعي يحتوي تقريبا على 30 تريليون خلية بشرية و38 تريليون خلية بكتيرية. أي إن النسبة الأقرب هي 1.3 بكتيريا لكل خلية بشرية، وليست عشرة إلى واحد.
البكتيريا ما زالت أكثر عددا، ولكن بفارق صغير. وهناك مفارقة جميلة: إذا قارناها فقط بالخلايا البشرية التي تحتوي على نواة، تعود النسبة القديمة لتصبح قريبة من عشرة إلى واحد. بمعنى آخر، لم يكن الرقم القديم خطأ كاملا، لكنه كان إجابة عن سؤال لم ينتبه أحد إلى أنه يطرحه.
ومن التفاصيل اللافتة أن نحو 84% من خلايا الجسم هي كريات دم حمراء. وهي صغيرة ولا تحتوي على نواة، لذلك تختلف كثيرا عن الصورة التي نتخيلها عندما نقول «خلية بشرية». وفي المقابل، تشكل العضلات والدهون معظم كتلة الجسم، لكنها لا تسهم إلا بنسبة صغيرة جدا من عدد الخلايا.
كما أن النسبة ليست ثابتة حتى داخل الشخص نفسه. معظم البكتيريا تعيش في القولون، وقد تؤدي عملية إخراج واحدة إلى التخلص من جزء كبير من محتواه البكتيري، فتقترب النسبة مؤقتا من التعادل قبل أن تستعيد البكتيريا أعدادها. ولذلك قد تتغير «نسبة إنسانيتك» حسابيا خلال اليوم، وإن لم يتغير منك شيء في الحقيقة.
هل يقلل هذا التصحيح من أهمية الميكروبيوم؟ إطلاقا، فقيمته لا تكمن في العدد، بل في الوظيفة. تحمل ميكروبات الأمعاء ملايين الجينات، مقابل نحو 20 ألف جين بشري. وتنتج هذه الجينات قدرات لا نملكها وحدنا، مثل تخمير الألياف إلى أحماض دهنية تغذي جدار القولون، والمساهمة في تصنيع فيتامين K وبعض فيتامينات B، وتدريب جهاز المناعة، والتأثير في استقلاب كثير من الأدوية.
عزيزي القارئ، قصة هذا الرقم تعلمنا شيئا أوسع من الميكروبيوم. العلم ليس مجموعة جمل ثابتة، بل ادعاءات قابلة للفحص ومعها درجات مختلفة من اليقين. تكرار الرقم ألف مرة لا يعني أنه قيس ألف مرة؛ ربما قيس مرة واحدة، ثم تردد صداه.
وهذا مهم في منطقتنا العربية، لأننا نستورد كثيرا من المراجع والمعايير والتوصيات من مجتمعات تختلف عنا في الغذاء ونمط الولادة واستخدام المضادات الحيوية. ما زال الميكروبيوم السعودي قليل الدراسة، رغم التحول الغذائي السريع وارتفاع استخدام المضادات والعمليات القيصرية. نحن نكرر أرقاما عن أمعاء شعوب أخرى، بينما لم نعدّ ما لدينا بعد.
العبرة ليست أن نشك في كل شيء، بل أن نتعلم سؤالا بسيطا: من أين جاء هذا الرقم؟
nabilalhakamy@
