ليس سبتمبر الذي انتهى بالأمس شهرا عابرا في تقويم السنة. إنه شهر عظيم تتقاطع في أيامه معانٍ قريبة من قلبي: الوطن، والمهنة، والأمومة، والإنسان.

ففيه نحتفي باليوم الوطني السعودي، وأستحضر في يومَي الصيدلي السعودي والعالمي رسالة المهنة التي أفخر بالانتماء إليها، وفيه أيضا رزقني الله بابنتي البكر، فبدأ فصل جديد من حياتي تعلمت فيه أن الرعاية ليست واجبا يؤدى، بل يقظة دائمة ومحبة ومسؤولية لا تنتهي.

وفي سبتمبر أيضا يحل اليوم العالمي لسلامة المرضى، وكأن هذا الشهر يجمع خيوط الحكاية كلها: وطن يجعل صحة الإنسان في قلب نهضته، ومهنة تحرس الدواء وترافق المريض، وأمومة تعلمنا أن أعظم صور العطاء هي أن نكون حاضرين حين يحتاج إلينا من نحب.

ولعل ما يجمع هذه المناسبات ليس تزامنها في شهر واحد فحسب، بل قيمة أعمق: أن الإنسان أمانة، وأن الرعاية الحقيقية لا تقاس بما نقدمه في لحظة واحدة، وإنما بقدرتنا على حماية من نرعاهم طوال الطريق؛ لا سيما أولئك الذين يعيشون مع أمراض مزمنة صامتة ترافقهم سنوات طويلة.

لهذا اختارت منظمة الصحة العالمية لليوم العالمي لسلامة المرضى لعام 2026 موضوع الرعاية المأمونة للأمراض غير السارية أو المزمنة، تحت شعار «رعاية مأمونة طوال العمر». فالسكري وأمراض القلب والسرطان والأمراض التنفسية المزمنة ليست حالات عابرة تنتهي بوصفة، بل رفقة ثقيلة قد تستمر سنوات.

الأخطاء الطبية لا تقع غالبا داخل العيادة عبر تشخيصات خاطئة، بل تتسلل من الفراغات الصامتة في رحلة العلاج: عارض جانبي لم يشرح، متابعة تأخرت، أو مريض يخجل من البوح بضيق ظروفه المادية أو لجوئه للوصفات الشعبية أو عدم قدرته على الالتزام بالأدوية أو الأنشطة المتطلبة لعلاج حالته.

وتؤكد إحصاءات منظمة الصحة العالمية هذا الواقع، حيث يتعرض مريض واحد من كل عشرة للضرر أثناء تلقي الرعاية، ونصف هذه الحالات كان يمكن الوقاية منها. ومع الأمراض المزمنة التي تحصد 74% من الأرواح عالميا، تتضاعف احتمالات الخطر، لأن المريض يعيش رحلة تمتد لعقود بين الأدوية والفحوصات.

المريض بأمراض مزمنة لا يتحمل المرض وحده فحسب، بل يتحمل ما يعرف بـ«عبء العلاج» أيضا. فأعباء مثل: إدارة المواعيد، وتناول الأدوية بانتظام، وقياس المؤشرات، إجراء التحاليل، التنقل بين العيادات، تعديل الطعام والنشاط، التعامل مع التأمين، حفظ أسماء الأدوية ونتائج الفحوصات. وإذا كان مصابا بأكثر من مرض مزمن واحد، فقد يتلقى تعليمات صحيحة من كل تخصص، لكنها تصبح مجتمعة خطة يستحيل تنفيذها.

لهذا دعا الباحثون إلى ما أسموه «الطب قليل الإزعاج»: وهو نهج يركز على تصميم خطة علاجية تتناسب مع حياة المريض الحقيقية وتحقق الأهداف العلاجية بأقل عبء ممكن على حياة المريض. أمثلة على ذلك تشمل: تقليل عدد الأدوية أحيانا، أو دمج التحاليل في زيارة واحدة، احترام وقت المريض وطاقته، ليجعل التزامه بالخطة العلاجية ممكنا.

السؤال لا ينبغي أن يقتصر على: ما أفضل علاج لهذا المرض؟ بل يمتد إلى: هل يستطيع هذا الإنسان تنفيذ العلاج داخل حياته الحقيقية؟

قد تكون إضافة دواء جديد صحيحة وفق الدليل العلمي، لكن مراجعة الأدوية القديمة وتقليل عددها ربما يكونان أكثر أمانا وأثرا. وقد يكون طلب خمسة تحاليل منطقيا، لكن جمعها في زيارة واحدة أكثر احتراما لوقت المريض. وقد يكون التطبيق الالكتروني مفيدا، لكنه يتحول إلى حاجز لدى كبير السن الذي لا يجيد استخدامه.

لذلك، السلامة هنا ليست تنازلا عن جودة الطب، بل إزالة ما يجعل الرعاية الصحية الجيدة مرهقة أو بعيدة المنال.

كثيرا ما يطلق على الأمراض المزمنة صفة «القاتل الصامت»، لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما ينتقل الصمت إلى المريض نفسه، ليصبح مجرد رقم في ملف. التعاطف في الطب ليس ميزة أخلاقية فحسب، بل هو أداة سريرية فعالة.

هنا يبدأ البعد الإنساني للرعاية المأمونة. عندما يشعر المريض بأن الممارس الصحي يعامله بتعاطف وإنصات، يصبح أكثر ميلا لتطبيق التعليمات الطبية والاعتناء بنفسه بشكل أفضل. وقد أثبتت الدراسات الطبية الموثوقة مثل دراسة «هوجات»(Hojat) الشهيرة حول التعاطف، أن 56% من مرضى السكري الذين عولجوا لدى أطباء يتمتعون بدرجة عالية من التعاطف تمكنوا من السيطرة على معدلات السكر التراكمي، مقارنة بـ40% فقط لدى أطباء أقل تعاطفا.

وأثبت الإنصات أنه وسيلة للحصول على معلومات مهمة قد لا تظهر في التحاليل. فعندما يشعر المريض بأنه لن يلام، يصبح أكثر استعدادا للاعتراف بأنه: لا يتناول الدواء بانتظام، أو لا يستطيع تحمل كلفته، أو لم يفهم طريقة تشغيل جهازه، أو أن الخطة العلاجية ببساطة أصبحت أكبر من قدرته على تنفيذها. وفي هذه الاعترافات تكمن نقاط الخطر الحقيقية. ولذلك تدعو منظمة الصحة العالمية إلى إشراك المصابين بالأمراض المزمنة في قرارات الرعاية وتصميم حلول السلامة، لأنه يكشف ثغرات قد لا تظهرها البيانات في الملفات.

إلى جانب التعاطف، تعد استمرارية الرعاية الخيط الذي يحمي المريض من الضياع. فالمراجعات المنهجية تؤكد أن استمرار علاقة المريض بالفريق الطبي نفسه (من طبيب يعرف تاريخك المرضي أو مستشفى أو عيادة بعينها) يرتبط بانخفاض معدلات الوفيات. فالطبيب أو الفريق الذي يعرف تاريخ المريض لا يرى رقما جديدا في التحليل فقط، بل يراه في سياق ما سبقه. يعرف ما الذي تم تجربته، وما الذي أخفق، وما الذي يستطيع المريض احتماله، وقد يلاحظ ما لم تقله التقارير. والمريض، بدوره، يصبح أكثر استعدادا لطرح الأسئلة والاعتراف بالتقصير أو الخوف عندما لا يشعر بأنه مطالب في كل موعد بإعادة رواية قصته وإثبات معاناته من البداية.

الهدف من استمرارية الرعاية هنا، هو أن يمتلك النظام ذاكرة لا تفقد المريض: فريق مسؤول، وسجل دوائي محدث، ومتابعة لنتائج الفحوص، وتسليم آمن للمعلومات بين التخصصات. قد تتغير الوجوه، لكن يجب ألا تضيع القصة.

ولكن ومن جهة أخرى، يجب ألا تعتمد المؤسسات الصحية على «البطولة الفردية» للممارسين لمعالجة فجوات النظام. فإن لطف الممارس الصحي، مهما كان نبيلا، لا يستطيع وحده إصلاح نظام مجزأ. أمور مثل نقص الكوادر، أو ضعف تبادل المعلومات، أو مواعيد وضغوط مهنية لا تسمح بالإصغاء.. هي ليست استراتيجية مستدامة لسلامة المرضى. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للقيادة الصحية. فالقائد لا يكتفي بتوفير الأدوية والأجهزة وقياس أعداد الزيارات، بل يصمم رحلة لا يسقط المريض بين محطاتها.

الرعاية المأمونة طوال العمر لا تعني نظاما معصوما من الخطأ، فهذا وعد لا يستطيع أي نظام صحي الوفاء به.

الرعاية المأمونة طوال العمر تبدأ بعلاج صحيح، لكنها لا تنتهي عنده. إنها تشبه تماما عبارة «الله يحفظك» التي تودعنا بها طائراتنا؛ وعد صادق بألا يترك المريض وحيدا أمام مرض يرافقه لسنوات، وألا يتحول تعدد أمراضه إلى تعدد في الجهات التي تتنصل من مسؤوليته وتضيع قصته كلما انتقل من عيادة إلى أخرى. هي التزام بأن نجعل رحلة المريض، مهما طالت، رحلة محفوفة بالأمان والتعاطف وحفظ الإنسان.

HibahAldosari@