ترميم الكعبة المشرفة في العهد السعودي... الترميم الأعظم
حسن عبدالعزيز مكاوي7 دقائق للقراءةحجم الخط
يوافق هذا العام مرور 408 أعوام على بناء الكعبة المشرفة الحالي. ففي يوم الأربعاء 19 شعبان 1039هـ، الموافق لسنة 1631م، هطل على مكة المكرمة مطر شديد، نتج عنه سيل عظيم دخل إلى المسجد الحرام، وبعد عصر يوم الخميس 20 شعبان انهار الجدار الشامي للكعبة المشرفة، وبعض الجدارين الشرقي - وفيه الباب - والغربي، كما سقطت درجة السطح.
وعقب انهيار هذه الأجزاء من الكعبة المشرفة، أعيد بناؤها، واستمر العمل ستة أشهر ونصفا تقريبا، وانتهى عام 1040هـ. وهذه العمارة هي العمارة الحادية عشرة للكعبة المشرفة، وهي عمارة السلطان مراد الرابع.
وهذه العمارة هي الباقية إلى يومنا هذا، فلم تحتج الكعبة المشرفة بعد ذلك إلى إعادة بناء، وإنما شهدت إصلاحات وترميمات وتجديدات في أزمنة مختلفة. ومن أبرز ما حظيت به من عناية ما قام به ملوك الدولة السعودية؛ ففي سنة 1351هـ، أمر الملك عبدالعزيز - رحمه الله - بإعادة القطعة المسروقة من الحجر الأسود إلى مكانها، كما أمر جلالته بإصلاح شاذروان الكعبة المشرفة. وفي سنة 1363هـ، أمر بصنع باب للكعبة المشرفة، ويعد أول باب للكعبة المشرفة في العهد السعودي.
وتواصلت عناية ملوك الدولة السعودية بالكعبة المشرفة، فكان من أهم أعمال الترميم ما أمر به الملك سعود - رحمه الله - أثناء استمرار العمل في توسعة المسجد الحرام سنة 1377هـ، حيث لوحظ في السقف الأعلى للكعبة المشرفة خراب استدعى تغييره بالكامل، كما تلف السقف الأدنى الخشبي بفعل الزمن، واحتاجت جدرانها كذلك إلى ترميم عاجل، بسبب ظهور تصدعات وشقوق في الجدارين الشمالي والغربي.
وقد سترت الكعبة المشرفة بأخشاب من جميع جهاتها، إلى ما فوق سطحها بنحو متر ونصف تقريبا، ولم يستر منها الحجر الأسود والركن اليماني. وقد شارك الملك فيصل - رحمه الله -، عندما كان وليا للعهد، نيابة عن الملك سعود - رحمه الله -، في فك رخام سطح الكعبة المشرفة، إيذانا ببدء أعمال الترميم في 18 رجب 1377هـ. واستمرت أعمال الترميم حتى شهر شعبان من العام نفسه، ويعد هذا الترميم أول ترميم للكعبة المشرفة في العهد السعودي.
ولما تولى الملك خالد بن عبدالعزيز - رحمه الله - مقاليد الحكم، وفي إحدى زياراته التفقدية للمسجد الحرام والكعبة المشرفة سنة 1397هـ، لاحظ قدم باب الكعبة المصنوع سنة 1363هـ، فأمر بصنع بابين جديدين للكعبة المشرفة؛ أحدهما الباب الخارجي، والآخر باب التوبة داخل الكعبة، على أن يكونا من الذهب الخالص. وفي العام نفسه، تم استبدال السلم الخشبي المؤدي لسطح الكعبة بسلم دائري الشكل من الألمنيوم.
وتواصلت بعد ذلك أعمال العناية بالكعبة المشرفة وصيانتها وترميمها، وفق ما تقتضيه حالتها وما تفرضه عوامل الزمن والظروف الجوية، حتى جاء ترميمها الشامل في عهد الملك فهد - رحمه الله -، حيث أمر بترميمها ترميما كاملا شاملا من داخلها وخارجها، على أحسن وجه.
وقد أحيطت الكعبة المشرفة بساتر خشبي أبيض، لم يكن يرى من خلاله سوى الحجر الأسود، وقد وثق الدكتور معراج بن نواب مرزا ذلك المشهد التاريخي بصورة نشرها في كتابه «الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة الرقمي». ويعد هذا الترميم والتجديد من أعظم أعمال العناية بالكعبة المشرفة؛ إذ لم تشهد، منذ بنائها الأخير قبل قرابة 377 عاما، أعمالا بهذا الشمول.
وقد أرخ لهذه الأعمال بنقش على لوح من الرخام ثبت داخل الكعبة المشرفة في الجدار الشرقي على يمين الداخل، كتب عليه «بسم الله الرحمن الرحيم / ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم / الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد / وعلى آله وصحبه أجمعين، تم بعون الله وتوفيقه في عهد خادم الحرمين الشريفين / الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، الترميم والتجديد الشامل للكعبة المشرفة / سقفي الكعبة، والأعمدة الثلاثة، وحوائط الكعبة من الداخل والخارج / والأرضيات، والسلم الداخلي / الشاذروان، جدار حجر سيدنا إسماعيل، ميزاب الكعبة المشرفة / تقبله الله عملا صالحا وأجزل الأجر والثواب والحمد لله رب العالمين / تم في شهر رجب الحرام عام سبعة عشر وأربعمائة وألف من الهجرة» .
وفي ظل رعاية واهتمام الملك عبدالله بن عبدالعزيز - رحمه الله - بالكعبة المشرفة وعمارتها، أهدى جلالته قفلين ومفتاحين جديدين لبابي الكعبة المشرفة. ففي عام 1433هـ، أمر بصنع قفل ومفتاح لباب الكعبة الداخلي (باب التوبة)، على أن يصنعا على نفقته الخاصة من الذهب الخالص. كما أصدر أمرا ساميا في سنة 1434هـ بصنع قفل ومفتاح جديدين لباب الكعبة المشرفة.
وسبقت أعمال الترميم الشاملة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان - حفظه الله - أعمال صيانة للكعبة المشرفة، شملت تغيير رخام الشاذروان ورخام جدار حجر إسماعيل - عليه السلام -، وذلك في عام 1437هـ، في ظل عنايته بالكعبة المشرفة، وحرصه على ترميم ما تحتاج إليه من إصلاح وتغيير، وفق ما تقتضيه عوامل الزمن والتقادم.
وشملت الأعمال كذلك استبدال جميع الحلقات الفضية المثبتة في الشاذروان، التي تربط بها كسوة الكعبة المشرفة، بحلقات من الذهب الخالص، بلغ عددها 57 حلقة ذهبية.
كما أمر الملك سلمان - حفظه الله - بوضع ثلاثة قناديل كبيرة، يبلغ ارتفاع كل منها مترين، من النحاس المطلي بالذهب، أعلى الحجر، بعد أن كانت من الفضة.
وقد اكتملت جميع الأعمال المتعلقة بشاذروان الكعبة المشرفة وجدار حجر إسماعيل - عليه السلام - في شهر ربيع الثاني من عام 1437هـ، بعد أن بدأت في شهر صفر من العام نفسه.
وتواصلت بعد ذلك أعمال العناية بالكعبة المشرفة وصيانتها وترميمها، حتى جاءت آخر هذه الأعمال الشاملة، التي بدأت مقدماتها بزيارة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان للمسجد الحرام، يوم الثلاثاء 7 جمادى الآخرة 1440هـ، لاستعراض عناصر مشروع التوسعة السعودية الثالثة والاطلاع على مستويات الإنجاز فيها. وقد تشرف سموه بزيارة الكعبة المشرفة والدخول إليها والصلاة فيها، وتطييب جدرانها الداخلية بماء الورد، وخلال ذلك لاحظ تقادم رخام سطح الكعبة واصفرار لونه. كما استمع إلى سدنة الكعبة المشرفة عن وجود شروخ في بعض العوارض الخشبية بسقف الكعبة المشرفة، والحاملة لرخام السطح، فوجه على الفور وزارة المالية بإجراء الدراسات اللازمة للتأكد من الحالة الإنشائية للكعبة المشرفة، والرفع بالتوصيات إلى الجهات المختصة.
وأظهرت الدراسات والمعاينة الحاجة الماسة إلى ترميم جميع عناصر الكعبة المشرفة، ولا سيما أن آخر ترميم لها كان في عهد الملك فهد - رحمه الله - سنة 1417هـ. وقد أسهمت الحرارة الشديدة ومياه الأمطار في تآكل بعض أجزاء السطح وفقدان المادة العازلة، مما أدى إلى تسرب مياه الأمطار إلى داخل السقف.
وعلى إثر ذلك، وفي شهر شوال من عام 1440هـ، صدر توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان - حفظه الله - بإعادة ترميم الكعبة المشرفة ترميما شاملا، بأحدث التقنيات، ووفق أفضل المواصفات والخبرات.
وبعد الانتهاء من أعمال ترميم عناصر الكعبة المشرفة، وثقت تلك الأعمال بتصميم وكتابة نص تذكاري، جرى تركيبه يوم الجمعة 2 ذي القعدة 1440هـ، في جوف الكعبة المشرفة، وسط الجدار الجنوبي، على يسار الداخل، وقد كتب عليه النص التالي:
«بسم الله الرحمن الرحيم، بأمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، تم تبليط سطح الكعبة المشرفة بالرخام، وزيادة العزل المائي، ومعالجة العناصر الخشبية للسقف والأعمدة، وصيانة باب الكعبة المشرفة وباب الدرج الداخلي والميزاب، شهر شوال عام 1440هـ».
وما سبق ليس إلا موجزا عن أعمال ترميم وتجديد الكعبة المشرفة في العهد السعودي الزاهر، وما صاحبها من عناية متواصلة ببيت الله الحرام، إذ لا يتسع المقام لاستعراض تفاصيل هذه الأعمال الجليلة. وقد حظيت هذه الجهود بالتوثيق في عدد من المؤلفات، التي لم تقتصر على تسجيل مراحل الترميم والتجديد ووصفها، بل دعمت ذلك بالصور والرسومات التوضيحية، لتبقى شاهدا على ما بذل في سبيل المحافظة على هذا البيت العتيق وصون عمارته.
ويكشف هذا التوثيق عن مسيرة متصلة من عناية الدولة السعودية بالكعبة المشرفة، بدأت منذ عهد الملك عبدالعزيز - رحمه الله -، وتواصلت في عهود أبنائه الملوك من بعده، وصولا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله -، وتنوعت صورها بين الترميم والتجديد والصيانة، في نهج راسخ يجسد عظيم الاهتمام ببيت الله الحرام، والمحافظة على عمارته وإعماره، وخدمة ضيوف الرحمن.
makkawicom@
