قطار الليل
جمانة العوفي3 دقائق للقراءةحجم الخط
الحياة رحلة شاقة، مليئة بالابتلاءات والمحطات الصعبة التي تضع الإنسان أمام خياراته ليتحمل تبعاتها؛ غير أنها تصبح أكثر قسوة وحلكة حين يضطر لمواجهة عواصفها بمفرده، فحتى آدم — عليه السلام — حين كان في الجنة بين كل ألوان النعيم، شعر بالوحدة والوحشة، فخلق الله له حواء لتسكن إليها نفسه ويستأنس بوجودها.
قد تجد نفسك يوماً أمام خيار صعب: أن تخوض غمار الغربة وتعيش وحيداً لتصنع لنفسك مستقبلاً كريماً لأن الظروف فرضت عليك ذلك، فتستقل قطار الحياة المظلم في الليل بمفردك، متمنياً أن تأتي اللحظة التي تنتهي فيها هذه الوحشة الأبدية، تتأمل أن تجتمع بأشخاص ظننت يوماً أنهم يحبونك، فتركب معهم قطار الحياة في الليل ظناً منك أن وجودهم سيخفف عنك وعثاء السفر، وأن أيديهم ستمتد لتمسك بك حين يميل بك العمر، إلا أن تكتشف في منتصف الطريق أنهم لم يكونوا رفاق درب، بل ركاباً عابرين أتوا لقطع الوقت والتسلية حتى يصلوا إلى محطة تضم من هو أفضل منك.
هناك، في العتمة التي تبتلع كل شيء، يتجلى أقسى دروس العمر: أن بعض القلوب لا ترى فينا وطناً، بل مجرد "محطة انتظار" يقضون فيها وقت فراغهم، ويخلفون في أرواحنا ندوباً جائرة، يدرك المرء بمرارة أن من ظنه شريك الروح لم يكن سوى عابر سبيل اتخذ من مشاعره وسيلة تسليه لتبديد وحشة غربته وتمضية الوقت، قبل أن يتركه ويتجه لمن يراه أعلى مقاماً ليحيا معه سعيداً، بينما تستمر أنت في رحلتك عبر قطار منتصف الليل المظلم، متصالحاً مع الحقيقة المطلقة: أنك وحدك.
ولا تقف قسوة هذه الرحلة عند خذلان العاطفة، بل تتعداها إلى خذلان الرفاق، فصديقة الأمس التي كانت تشاركك الضحكات الصاخبة وتفاصيل الأيام السعيدة، قد تتحول فجأة إلى شخص غريب يوجه سهام الكلمات الجارحة دون مبرر. وفي تلك المساحة الضيقة من عربة القطار، تتسع الهوة بين الأرواح، وتنتهي صداقة عمر بكلمة قاسية وموقف لا يُنسى، لتترك خلفها فراغاً لا يملؤه ضجيج العربات.
إنها رحلة الخذلان المزدوج: حبيب يبحث عن مصلحته، وصديقة تتنكر للود، وتحت تلك الأضواء الخافتة، يجد الإنسان نفسه وجهاً لوجه أمام أقسى أنواع الوحدة والوحشة، بلا رفيق سوى حقيبة مليئة بالذكريات المكسورة، ومقعد يحتضن صدمة البدايات الجديدة الوحيدة والمظلمة.
غير أن سنوات الوحدة القاسية التي تعقب هذه الخيبات ليست مجرد عزلة، بل هي درع ينسجه الصبر من شظايا الانكسار. فالجزاء من جنس العمل، وما يُزرع اليوم يُحصد غداً؛ والظلم لا يقتصر على سلب الحقوق والأموال، بل إن جرح المشاعر والأرواح من أشد صور الظلم إيلاماً، قد يرفع المظلوم يديه في سجدة ليل يناجي ربه بأن يقتص منك في الدنيا والآخرة، فيأتيك الثمن باهظاً— ابتلاءً في صحة أو عثرة في أمر — لتراجع سيرتك وتكتشف أنك لم تترك قلباً إلا وكسرته ويدك ملطخة بدماء جروح الآخرين، فلا أحد يفلت من حصاد أفعاله، ورب العباد لا يضيع لديه حق أحد.
يعلمنا هذا السفر القاسي أن السير وحيداً بخطوات وثيقة وروح متصالحة مع خالقها تناجيه أن يقتص من كل من ظلمه في الدنيا قبل الآخرة، أهون ألف مرة من المضي في زحام تملؤه الأقنعة وأيادٍ ملطخة بجراح الآخرين؛ فالجميع سيدفع ثمن أعماله، وكل قلب وأمل تكسره ستجد نفسك تدفع ثمنه.
قد تبدو الوحدة موحشة، لكنها في النهاية النجاة الوحيدة من علاقات بُنيت على المصلحة، لتجرفها موجات الحقيقة في ليلة واحدة على متن قطار الليل.
