سايكس - بيكو: تأثير استعماري ممتد
صدقه يحيى فاضل4 دقائق للقراءةحجم الخط
بحلول يوم الاثنين 16 مايو 2016م (الموافق 9-8-1437هـ) تكون قد مرت مئة عام على الاتفاق الاستعماري الشهير، الذي تعرضت له المنطقة العربية، وما زالت خاضعة له، وتعاني من تبعاته السلبية كثيرا. وعند هذا التاريخ، أي قبل 120 سنة، أي تم قبل قرن (يوم 16-5-1916م) و20 عاما، عقد ما عرف فيما بعد باتفاقية سايكس - بيكو، بين بريطانيا وفرنسا، والتي بموجبها تم تقاسم أراضي الوطن العربي فيما بين الدولتين الاستعماريتين بريطانيا، ممثلة بالدبلوماسي البريطاني مارك سايكس، وفرنسا، ممثلة بالدبلوماسي فرانسوا جورج بيكو. وقد عرفت هذه الاتفاقية باسميهما.
كانت معاهدة بريطانية - فرنسية سرية، شاركت فيها روسيا القيصرية التي كانت تتطلع لنفوذ لها بالمنطقة، ولكنها سقطت بقيام الثورة البلشفية في روسيا، في أكتوبر 1917م. وقد كشفت هذه الاتفاقية، أول ما كشفت، من قبل الزعماء البلاشفة الشيوعيين. فأحدث الإعلان عنها ردود فعل عربية وغير عربية غاضبة. من ذلك: قيام الثورة العربية بقيادة الشريف حسين. اضطرت بريطانيا، تحت ضغوط ردود الفعل هذه، إلى إجراء بعض التعديلات الطفيفة عليها... أدت إلى قيام بعض الدول العربية.
ولكن بريطانيا طعنت العرب بخنجر غدرها المشهود، فأصدرت يوم 2 نوفمبر 1917م وعدا بإعطاء فلسطين لليهود، لتكوين «وطن قومي يهودي» فيها. وهو الوعد الشهير بـ«وعد بلفور»، نسبة لوزير خارجية بريطانيا آنئذ. فوضعت بريطانيا بذلك الأساس لإسرائيل، وأعطت أرضا لا تملكها، لعصابات لا تستحقها. ولم تكتف بريطانيا بذلك، بل سهلت قيام الكيان الإسرائيلي ودعمه، في قلب الأمة العربية. وما زال هذا الدعم متواصلا حتى الآن.
ولامتصاص الشعور القومي العربي المتزايد، في تلك الآونة، نحو الاتحاد العربي، رتبت بريطانيا لإقامة «جامعة الدول العربية» بميثاقها المعروف.. الذي يوحد العرب اسميا، ويفرق بينهم ويمزقهم أشتاتا في الواقع العملي. ومع ذلك يجب ألا تلام بريطانيا وحدها على هذه الفرقة، التي يجب أن يتحمل أغلب العرب معظم مسؤوليتها.
بدئ في التمهيد لمعاهدة سايكس - بيكو خلال الحرب العالمية الأولى التي اندلعت عام 1914م، واستمرت حتى عام 1918م، وعندما كانت الدولة العثمانية تترنح، وتصبح آيلة للسقوط، حتى أطلقت عليها صفة «الرجل المريض»، والذي أصبحت مناطق نفوذه وسيادته نهبا للمستعمرين والطامعين الأوروبيين، وخاصة البريطانيين والفرنسيين. سبق إبرام هذا الاتفاق عقد مفاوضات سرية بين بريطانيا وفرنسا لاقتسام العالم العربي بعد تقسيمه، وترك لفرانسوا بيكو ومارك سايكس تنفيذ ما اتفقا عليه، وإكمال إجراءات التقسيم المقترح، والقسمة الميتة على الأرض.
جيء بخارطة للمنطقة، وبدئ في رسم الحدود المقترحة لمعظم بلاد المنطقة. رسم سايكس خطا يمتد من مدينة عكا بفلسطين إلى مدينة كركوك بالعراق... مقسما المنطقة إلى نصفين، دون مراعاة للاختلافات العرقية والمذهبية. أعطيت سوريا وما جاورها للفرنسيين، والعراق وجنوب شبه الجزيرة العربية للبريطانيين، وكذلك بقية المناطق على النحو الذي استمر حتى الوقت الحاضر. وبعد انكشاف أمر هذه الاتفاقية، وقع البريطانيون والفرنسيون في حرج كبير أمام المجتمع الدولي. وتخفيفا لهذا الحرج، حاولت بريطانيا وفرنسا الإيحاء للعالم بأنهما بهذا الاتفاق تمهدا لاستقلال هذه البلاد رسميا.
ومع ذلك، تم التأكيد على محتوى هذه الاتفاقية في مؤتمر سان ريمو عام 1920م، ثم أقر مجلس عصبة الأمم وثائق «الانتداب» على المناطق المعنية وفق ما اتفق عليه سايكس وبيكو. وأكدت معاهدة لوزان عام 1923م ما اتفقا عليه، مع إجراء تعديلات طفيفة.. شملت التنازل عن أجزاء من شمال سوريا لتركيا. وفي المغرب العربي، تناوبت كل من بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا على رسم الحدود فيما بين البلاد المغاربية العربية. فأصبحت هناك اثنان وعشرون دولة عربية بحدود تم التوافق عليها عالميا، ومن ثم عربيا.
إن أسوأ ما تمخض عن اتفاقية سايكس - بيكو هو تمزيق العالم العربي، ورسم حدوده بما يتوافق ومصالح الغرباء والمستعمرين، وبما تسبب لاحقا في نشوء مشاكل عربية - عربية لا حصر لها. هذا، إضافة إلى زرع الكيان الإسرائيلي الدخيل في قلب الوطن العربي، ليمثل قاعدة عدوانية متقدمة، تهدف لإيذاء وتدمير هذا الوطن الكبير، وعرقلة أي محاولة جادة له للنهوض والازدهار به. ويقوم هذا الكيان بدوره الهدام منذ نشوئه في عام 1948م. وقد عمل بالفعل، وما زال يعمل، على زعزعة أمن واستقرار الدول العربية، ومنع نهوضها، وضمان تخلفها. وما زال لاتفاق سايكس - بيكو تأثيره السلبي على الدول العربية جمعاء. ويظل معظم ما غالبية العرب فيه من ضعف وتخلف يرد إلى محاربة التحالف الاستعماري، وتقاعس بعض العرب عن تغيير أوضاعهم نحو الأفضل.
ولا شك أن هذه الاتفاقية قد حددت «الحدود» فيما بين البلاد العربية. وتلك مزية، أن استخدمت بشكل إيجابي، وأقيم اتحاد فيدرالي، يعطي لكل كيان خصوصيته، ويجعل الحدود بين الأشقاء، ذات دور تنظيمي. ومعروف، أن الكيان الإسرائيلي أعلن أنه يقبل حدود سايكس - بيكو مؤقتا. فحدوده تمتد من النيل للفرات...!
