لم يعد التحدي اليوم في غياب الأنظمة واللوائح والسياسات؛ فالعمل المؤسسي بطبيعته يقوم على إطار تنظيمي يحدد الاختصاصات، ويضبط الصلاحيات، وينظم الإجراءات. ومع ذلك، فإن وجود هذه المنظومة لا يعني بالضرورة أن التطبيق سيحقق دائما الغاية التي وضعت من أجلها؛ فقد تتفاوت الممارسات، أو تختلف جودة القرار من حالة إلى أخرى. وهنا يظهر سؤال مهم: إذا كانت الأنظمة واللوائح والإجراءات موجودة، فأين تبدأ الحوكمة؟

ببساطة، الحوكمة مفهوم واسع ينظم الكيفية التي تدار بها المؤسسة أو المسألة محل التنظيم؛ من تحديد الاختصاصات والصلاحيات والمسؤوليات، إلى صناعة القرار والمساءلة عنه. وفي القطاع العام على وجه الخصوص، تتصل الحوكمة بمنظومة مترابطة تشمل الأنظمة والتنظيمات واللوائح والسياسات والتعليمات، وما يتفرع عنها من إجراءات وممارسات مؤسسية أو قطاعية.

ومن هنا، فالحوكمة أوسع من مجرد الالتزام بالنظام.. وهناك فرق بينها وبين الامتثال والرقابة، وإن كانت جميعها أجزاء مترابطة ومتكاملة؛ فالامتثال يسأل.. هل ما نقوم به يتوافق مع الأنظمة، واللوائح، والسياسات والتعليمات؟ بينما تتحقق الرقابة من سلامة التنفيذ وترصد الانحرافات والمخاطر. أما الحوكمة فتربط هذه العناصر جميعا بإطار يحدد من يملك الصلاحية، ومن يتحمل المسؤولية، وكيف يتخذ القرار وكيف تتم المساءلة عنه.

ولا تقاس الحوكمة بكثرة اللوائح أو عدد اللجان أو حجم الأدلة التنظيمية؛ فقد تمتلك المؤسسة كل ذلك، ويبقى الاختبار الحقيقي في الممارسة اليومية.. من يقرر؟ وعلى أي أساس؟ وهل يمكن تفسير القرار والدفاع عنه إذا سئلنا عنه لاحقا؟

وقد تكون لدى المسؤول صلاحية نظامية كاملة، لكن الحوكمة لا تسأل فقط: هل يملك هذه الصلاحية؟ بل تسأل أيضا.. كيف يستخدمها؟ ولماذا؟ وهل يستند استخدامها إلى معيار يمكن تطبيقه على الحالات المتشابهة؟

وهنا تظهر الحوكمة كسلوك مؤسسي، لا كنصوص فقط؛ فقوة المسؤول لا تظهر في استخدام كل ما لديه من صلاحيات، وإنما في معرفة متى يستخدمها، وكيف يستخدمها، ومتى يمتنع عن استخدامها، ولماذا.

ولعل بعض التجارب العالمية تذكرنا بأن حجم المؤسسة أو شهرتها لا يعفيها من هذا الاختبار، ففي FIFA أثار مشروع (FIFA Forward Enterprise) خلال عام 2026 اعتراضات ونقاشات حول آليات اتخاذ القرار والشفافية ومشاركة أصحاب المصلحة، وانتهى الأمر بسحب المشروع وطرح فكرة مراجعة مستقلة للحوكمة وآليات اتخاذ القرار. والدرس هنا ليس في كرة القدم ذاتها، وإنما في (الإدارة). طريقة صناعة القرار وحوكمته قد تكون أحيانا بأهمية القرار نفسه.

وهنا يأتي الامتثال؛ فالاختبار الحقيقي له ليس فقط عندما تكون الرقابة حاضرة، وإنما عندما يكون الإنسان قادرا على تجاوز الإجراء أو التأثير فيه، ثم يختار ألا يفعل. فالامتثال الحقيقي يبدأ حين نلتزم بالنظام حتى في غياب الرقابة المباشرة، أو عندما تكون مساحة التصرف واسعة.

لكن هناك جانبا آخر لا يقل أهمية.. فهم روح النظام والسياسات، لا الاكتفاء بحرفية الإجراء، فالأنظمة والسياسات لا توضع لمجرد أن تطبق، وإنما لتحقيق غاية.. حماية حق، أو تنظيم صلاحية، أو رفع كفاءة، أو تقليل مخاطر، أو تحقيق العدالة. وقد يحدث أن نلتزم بالإجراء شكليا، لكننا نطبقه بطريقة تبتعد عن الهدف الذي وضع من أجله. وهنا يظهر نضج الإدارة؛ فالسؤال لا يكون فقط (هل طبقنا النص؟) وإنما أيضا (هل حقق تطبيقنا الغاية التي وضع النص من أجلها؟).

وهذا لا يعني تجاوز الأنظمة أو تفسيرها وفق الأهواء، فالنصوص الملزمة يجب احترامها، لكنه يعني ألا نحول الإجراء من وسيلة لتحقيق المصلحة إلى غاية بحد ذاته. وإذا كشف التطبيق أن سياسة أو إجراء ما لم يعد يحقق الهدف الذي أنشئ من أجله، فالحوكمة الجيدة لا تدعونا إلى مخالفته، وإنما إلى مراجعته وتطويره عبر القنوات النظامية، فقد يكون القرار صحيحا إجرائيا، لكنه ضعيفا إداريا إذا غابت عنه الغاية والسياق والأثر.

وفي المملكة نجد مثالا حديثا يعكس هذا الفهم؛ إذ أصدر المركز الوطني للتفتيش والرقابة في سبتمبر 2026 (سياسة الإطار الوطني لأعمال التفتيش)، ومن مبادئها (التوعية والامتثال أولا)، بما يشمل التثقيف والتوجيه التصحيحي وتعزيز الامتثال الطوعي والمستدام، وليس الاقتصار على اكتشاف المخالفة. وهذه فلسفة مهمة؛ فالرقابة الناجحة لا تقاس فقط بعدد الأخطاء التي تكتشفها، بل أيضا بقدرتها على تقليل احتمال حدوثها مستقبلا.

وربما لا تحتاج الحوكمة إلى مشروعات كبيرة حتى نشعر بها؛ ففي مكتب كل مسؤول ممارسات صغيرة تصنع فرقا كبيرا.

قبل اتخاذ قرار مؤثر، يمكن للمسؤول أن يسأل نفسه: هل أستطيع أن أشرح لماذا اتخذت هذا القرار؟ وما المعيار الذي استندت إليه؟ وهل سأطبق المعيار نفسه في حالة مشابهة؟

وعندما تصله معلومة، يفصل بين سماعها وإصدار الحكم؛ فيتحقق ويستمع ثم يقرر. وحتى عند استخدام الصلاحية، يمكن أن يسأل نفسه: لماذا منحت هذه الصلاحية؟ وهل استخدامها بهذه الطريقة يحقق المصلحة العامة؟ وهل أطبق الإجراء لتحقيق الغاية التي وضع من أجلها، أم أصبح تطبيق الإجراء نفسه هو الغاية؟

هذه أسئلة بسيطة، لكنها تنقل الحوكمة من الهياكل والأدلة إلى القرار اليومي.

وللحوكمة أيضا بعد إنساني قد نغفل عنه، فوضوح الإجراءات والقرارات يقلل مساحة التخمين داخل بيئة العمل، بينما الغموض يفتح الباب للقلق والتفسيرات والإشاعات. ولذلك، فإن المؤسسة المحوكمة ليست المؤسسة التي تراقب موظفيها أكثر، بل المؤسسة التي تجعلهم يحتاجون إلى التخمين أقل. ويبقى بالنسبة لي سؤال بسيط يكشف الكثير.. لو تغير الشخص المسؤول غدا، هل سيبقى الإجراء والمعيار كما هما؟ كلما اقتربت الإجابة من (نعم)، اقتربنا أكثر من النضج المؤسسي؛ لأن المؤسسة هنا لا تبدأ من الشخص ولا تنتهي برحيله.

فقد نكتب أفضل اللوائح ونبني أدق الإجراءات، لكن الحوكمة تبقى مرتبطة بالإنسان الذي يطبق كل ذلك.. فالموظف الذي يطبق المعيار ذاته على الحالات المتشابهة، والمسؤول الذي يفصل بين العلاقة الشخصية والقرار المهني، والقائد الذي يجعل المرجعية للنظام والمعيار؛ هؤلاء يمارسون الحوكمة حتى وإن لم يتحدثوا عنها، لأن الوظيفة العامة، في جوهرها ليست سلطة يمنحها المنصب، بقدر ما هي أمانة ومسؤولية.