السعودية ومعادلات ما بعد الحرب
عبداللطيف محمد الحميدان4 دقائق للقراءةحجم الخط
لم تعد المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مجرد جولة جديدة في تاريخ الصراع الممتد في الشرق الأوسط. ما يحدث اليوم يبدو أقرب إلى لحظة إعادة تشكيل لموازين القوة في المنطقة بأكملها. فالمواجهة تجاوزت حدود الحسابات العسكرية المباشرة وأصبحت تمس أمن الطاقة والممرات البحرية واستقرار دول الخليج ومستقبل النفوذ الإيراني وحدود الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس كيف ستنتهي هذه المواجهة فقط؟ بل أي شرق أوسط سيولد بعدها؟
لأن الخليج يقف في قلب هذه المعادلة. فاضطراب مضيق هرمز وباب المندب وتحول البنية التحتية للطاقة إلى جزء من ساحة الصراع أثبت أن الأمن الخليجي لم يعد قضية محلية أو حتى إقليمية. بل أصبح عنصرا مباشرا في استقرار الاقتصاد العالمي. وقد كشفت التطورات الأخيرة حجم هذه الحساسية بعدما تعرض خط أنابيب شرق غرب لهجمات بطائرات مسيرة. فيما اضطرت المملكة إلى التعامل بمرونة مع مسارات تصدير النفط في ظل اضطراب حركة الملاحة. وهي تطورات تؤكد أن الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة باتت جزءا أساسيا من معادلة الردع والحرب.
وفي قلب هذا المشهد تبرز المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بوصفها دولة تعمل على منع تحول الفوضى الإقليمية إلى قدر دائم للمنطقة. فالسياسة السعودية لا تقوم على الانجراف خلف الاستقطاب بقدر ما تتحرك في مسارات متوازية. تعزيز القدرة على الردع. حماية السيادة والمصالح الوطنية. إبقاء أبواب السياسة والدبلوماسية مفتوحة. وبناء شبكة أوسع من العلاقات والشراكات التي تمنح الرياض مساحة أكبر للحركة في نظام دولي وإقليمي سريع التحول.
وقد جاءت كلمة المملكة الأخيرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لتمنح هذه الرؤية وضوحا أكبر، إذ أكدت الرياض أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة والعالم، وأن استقراره يرتبط مباشرة بأمن الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد. كما شددت على حماية حرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب ورفض استخدام الممرات الدولية أداة للضغط أو التهديد. وهي رؤية تتجاوز التعامل مع الأزمة الراهنة إلى محاولة وضع مبادئ لما ينبغي أن تكون عليه معادلة الأمن الإقليمي مستقبلا.
وفي الوقت نفسه أثبتت الاعتداءات الأخيرة بالصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه الرياض وخميس مشيط ومدن سعودية أخرى أن المملكة ليست بعيدة عن دائرة الخطر، وهذا يضيف بعدا أكثر أهمية إلى التحرك السعودي. فالرياض تدعو إلى خفض التصعيد والحلول السياسية وهي في الوقت ذاته تؤكد حقها الكامل في حماية أمنها وسيادتها ومقدراتها، وهنا يظهر جوهر المقاربة السعودية التي تجمع بين قوة الردع وحكمة السياسة بدلا من النظر إليهما باعتبارهما مسارين متعارضين.
هذه المقاربة تحمل دلالة استراتيجية أعمق، المملكة لا تتعامل مع المرحلة باعتبارها أزمة يجب النجاة منها فقط، بل باعتبارها بيئة إقليمية جديدة ينبغي الاستعداد لها. فالقوة في الشرق الأوسط المقبل لن تقاس بحجم الترسانة العسكرية وحدها، بل بقدرة الدولة على الجمع بين الردع والاقتصاد والطاقة والدبلوماسية والتحالفات والقدرة على حماية سلاسل الإمداد والممرات البحرية. وهذا تحديدا هو المجال الذي تتحرك فيه السعودية وهي تمضي في مشروع تحول اقتصادي وتنموي واسع يحتاج بطبيعته إلى منطقة أكثر استقرارا وأقل قابلية للانفجار.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام المنطقة بعد توقف المدافع لن يكون العودة إلى ما قبل الحرب، لأن ما قبل الحرب قد لا يعود أصلا، التحدي سيكون بناء معادلة أمنية تمنع الهيمنة وفرض النفوذ وتحد من استخدام ساحات المنطقة لتصفية الحسابات وتمنع تحول الممرات البحرية والطاقة إلى أدوات للابتزاز السياسي والعسكري، مع إيجاد ترتيبات إقليمية أكثر قدرة على معالجة مصادر التهديد وتحقيق توازن قابل للاستمرار.
وهنا تحديدا تتضح أهمية الدور السعودي؛ فالمملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة إسلامية وموقع جغرافي وقدرات متنامية أصبحت طرفا لا يمكن تجاوز دوره في أي هندسة إقليمية مقبلة. وقد تكون المهمة الأصعب أمام الرياض ليست إدارة الصراع الحالي فحسب، بل المساهمة في تحويل اللحظة التي تعيشها المنطقة من مرحلة تفكيك واضطراب إلى فرصة لإعادة بناء مفهوم الأمن الإقليمي على قاعدة مختلفة. قاعدة لا تجعل الخليج ساحة تتصارع فوقها القوى الكبرى. بل مركز قوة يمتلك القدرة على حماية مصالحه والمشاركة في تحديد اتجاهات المنطقة.
وإذا كانت الحروب تعيد رسم موازين القوة فإن الدول التي تقرأ ما بعد الحرب قبل انتهائها هي الأقدر على التأثير في شكل السلام الذي يليها. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جهود المملكة بقيادة الأمير محمد بن سلمان؛ لأن المعادلة الاستراتيجية الأهم بالنسبة للسعودية ليست الانتصار لطرف في صراع الآخرين، بل حماية المملكة والخليج من تداعياته والعمل على ألا تخرج المنطقة من حرب لتدخل أخرى، وأن يتحول الثقل السعودي المتنامي من قوة لحماية الاستقرار إلى قوة تسهم في صناعة نظام إقليمي أكثر توازنا وأمنا واستقلالا في قراره.
