في مساء الخميس 17 سبتمبر 2026، استعادت دمشق شيئا من نبضها القديم حين امتلأت صالة الفيحاء الرياضية بآلاف الحاضرين الذين جاؤوا ليستقبلوا أصالة نصري بعد غياب امتد خمسة عشر عاما. لم يكن الحفل مجرد فعالية فنية، بل لحظة رمزية تؤكد أن الصوت قادر على الانتصار على كل محاولات الإسكات، وأن الفرح يمكن أن يعود إلى مدينة أنهكتها الحرب.
قبل الحفل بأيام، تصاعدت دعوات لإلغائه من قبل تيارات دينية متشددة، وصلت إلى حد تمزيق الإعلانات في شوارع العاصمة وتوجيه بيانات رسمية تطالب وزارة الثقافة بمنع الفعالية.
بدا المشهد وكأن الفن يحاكَم مجددا قبل أن يسمح له بالظهور، في محاولة لإعادة فرض نمط واحد من الحياة على مجتمع يتوق إلى استعادة فضائه العام.
ورغم الضغوط، تمسكت وزارة الثقافة بإقامة الحفل، وأصرت أصالة على الوقوف أمام جمهورها، وما إن بدأت الليلة حتى بدا واضحا أن الناس كانوا في أمس الحاجة إلى هذا اللقاء. أكثر من خمسة آلاف شخص ملأوا الصالة، فيما نقلت القناة السورية الفضائية الحفل مباشرة مع قنوات عربية أخرى.
افتتحت أصالة وصلتها بأغنية "ارفع راسك فوق"، التي تحولت إلى نشيد غير رسمي ليوم سقوط الأسد، قبل أن تنتقل بين أعمالها القديمة ومقاطع من ألبومها السوري الجديد المستوحى من تراث المحافظات. غلبتها الدموع أكثر من مرة، وقالت بصوت متهدج: "أنا قلقانة... وعايزة أعالج أوجاع نفسي اللي صارت خلال الـ15 سنة، واللي هيعالجني هو اللي هيعالجهم... الموسيقى".
كرمها وزير الثقافة محمد ياسين الصالح على المسرح، معتبرا أن "عودة أصالة هي عودة كل إنسان سوري حر"، في لحظة بدت وكأنها إعلان رسمي عن استعادة الفن مكانته في الحياة العامة بعد التحرير.
هذا المشهد في دمشق أعاد إلى ذاكرتي ما عاشته السعودية خلال مرحلة الصحوة. في مسرح المفتاحة بأبها، وفي قاعات جدة، كانت الدعوات للمقاطعة تتوالى، والفتاوى تتلى، ومحاولات تعطيل الفعاليات تتكرر. كان الجمهور يذهب إلى الحفلات وفي قلبه مزيج من الشوق والحذر، تماما كما حدث في دمشق قبل أيام. ومع ذلك، كان الفن ينتصر في النهاية، وكان الجمهور يثبت أنه أكثر تمسكا بالحياة من كل محاولات التضييق.
لكن الفارق أن السعودية تغيرت اليوم جذريا بعد رؤية المملكة 2030، عاد مسرح طلال مداح في أبها بعد ترميمه، وعادت الرياض وجدة تكتظان بالمهرجانات، وأصبح الفن جزءا من نسيج الحياة اليومية، أما سوريا، فما زالت بعد التحرير في بداية الطريق، وما حدث في دمشق ليس مجرد حفل، بل اختبار لمدى استعداد المجتمع لحماية حقه في الفرح والانفتاح.
إن الدعوات التي حاولت منع الحفل لم تكن مجرد اعتراض على الغناء، بل محاولة لإعادة إنتاج الوصاية ذاتها التي عرفتها مجتمعات عربية أخرى في مراحل سابقة، وفي هذا السياق، يصبح نجاح الحفل انتصارا رمزيا للفضاء العام المفتوح، ولحق الناس في التعبير والاحتفال، ولقدرة الفن على لعب دور في إعادة بناء الوجدان العام وتخفيف آثار الانقسام.
في النهاية، نجحت أصالة في دمشق رغم كل شيء، ونجحت دمشق في إثبات أنها ما زالت قادرة على الاحتفاء بأصواتها. أما الدعوات التي حاولت إسكاتها، فقد أثبتت مرة أخرى أن محاولة إغلاق النوافذ لا تمنع الهواء من الدخول، الفن أقوى من المنع، والفرح أقوى من التخويف، وهذا درس يستحق أن يسمع في كل مكان.
أصالة... لحن يوقظ ما خفت
سعود المشهور3 دقائق للقراءةحجم الخط
