«هي الحداية بترمي كتاكيت؟»
مثل شعبي بسيط، لكنه يخفي سؤالًا أعمق مما يبدو: هل هناك شيء يُعطى لنا بلا مقابل؟
لماذا تمنحنا الحداية كتاكيت؟
ولماذا يقدم لنا أحدهم شيئًا مجانيًا، ثم يطلب منا أن نثق به دون أن نسأل: ماذا يريد في المقابل؟
في زمننا، لم تعد الحداية تحتاج إلى أن تظهر في السماء. قد تأتي في صورة لعبة مجانية، أو تطبيق جذاب، أو فيديو لا يتجاوز دقائق، أو محتوى يبدو بريئًا، بينما يتسلل شيئًا فشيئًا إلى طريقة تفكير الطفل، واهتماماته، وصورته عن العالم.
المشكلة ليست في التكنولوجيا.
المشكلة تبدأ حين نترك التكنولوجيا تقوم بالدور الذي كان ينبغي أن تقوم به الأسرة والمدرسة والمجتمع.
فالطفل لا يتعلم فقط مما نقوله له، بل مما نتركه يراه كل يوم. وما يتكرر أمامه يصبح مع الوقت مألوفًا، وما يألفه قد يتحول إلى قناعة، والقناعة تصنع السلوك.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل نمنع أبناءنا من الشاشات؟
بل:
من يربيهم أمام الشاشات؟
نحن أمام عالم لم تعد فيه معركة التأثير تحتاج إلى احتلال أرض أو كسر باب. يكفي أن تصل الفكرة إلى عقل صغير، في الوقت المناسب، وبالصورة المناسبة، ثم تتركه يظن أنه اختارها بنفسه.
وهنا تصبح اللغة والثقافة والكتاب والذاكرة أكثر من مجرد أدوات تعليم.
إنها جذور.
والإنسان الذي يفقد جذوره لا يصبح أكثر انفتاحًا بالضرورة، بل قد يصبح أكثر قابلية لأن تقوده الأفكار التي تأتيه من الخارج دون أن يملك أدوات فحصها.
لكن الخطأ أيضًا أن ننظر إلى كل جديد باعتباره خطرًا، أو إلى كل شاشة باعتبارها عدوًا، أو إلى الكتاب باعتباره البديل الوحيد.
المستقبل ليس معركة بين الكتاب والشاشة.
يمكن للاثنين أن يتعاونا، بشرط ألا تتحول الشاشة إلى عقل بديل، وألا يتحول الكتاب إلى قطعة من الماضي.
نحن بحاجة إلى طفل يستخدم التكنولوجيا، لا أن تستخدمه التكنولوجيا. يقرأ، ثم يبحث. يشاهد، ثم يسأل. يتلقى المعلومة، ثم يناقشها. يعرف العالم، دون أن يفقد نفسه.
ومن هنا يصبح المثل الشعبي أكثر عمقًا:
«هي الحداية بترمي كتاكيت؟»
ليس السؤال عن الحداية والكتاكيت فقط، بل عن كل شيء يدخل حياتنا في صورة هدية.
ماذا ورائها؟
ومن المستفيد؟
وماذا يريد منا بعد أن نحصل عليه؟
ربما تكون أخطر الهدايا هي تلك التي لا نكتشف ثمنها إلا بعد أن تصبح جزءًا من عقولنا.
وهذه هي الفكرة التي حاولت من خلال روايتي «هي الحداية بترمي كتاكيت؟» أن أطرحها من خلال حكاية بسيطة في ظاهرها، لكنها تتسع إلى سؤال أكبر عن الإنسان في زمن تتنافس فيه الشاشات والأفكار والمؤسسات على تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
فالمعركة الحقيقية ليست على الكتاب وحده، ولا على الشاشة وحدها.
المعركة على الإنسان نفسه: على قدرته أن يسأل، وأن يقرأ، وأن يميز، وأن يختار.
ولهذا فإن حماية أبنائنا لا تعني أن نغلق الأبواب أمام العالم، بل أن نمنحهم ما هو أهم من الحماية:
أن نعلّمهم كيف يفتحون الأبواب بأنفسهم، وكيف يعرفون إلى أين تقودهم.
فالكتكوت الذي لا يعرف إلا أن يأكل ما يُلقى أمامه، قد يصبح فريسة.
أما الكتكوت الذي يتعلم أن يسأل: من ألقى هذا؟ ولماذا؟
فقد يكبر، ويرى الحداية من بعيد، ويعرف متى يطير.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
حين يصبح العقل هو الغنيمة من يكتب عقل الطفل حين ننشغل عن تربيته؟
عبدالرحمن محمد ندا3 دقائق للقراءةحجم الخط
