إرباك باكستان أم إعادة تشكيل التوازن؟ قراءة قانونية واستراتيجية في تحولات أمن الحدود
عبدالله قاسم العنزي3 دقائق للقراءةحجم الخط
يشهد الإقليم تحولا في منظومة الأمن، بالتزامن مع تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية، واتساع مخاطر الملاحة والطاقة، وتراجع استعداد الولايات المتحدة للانخراط العسكري. وفي هذا السياق برز التحالف السعودي التركي الباكستاني بوصفه محاولة لإعادة بناء الردع الإقليمي؛ إذ يقوم اتفاق مكة للدفاع المشترك على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا، بما يربط أمن السعودية، بصورة غير مباشرة، بقدرة باكستان وتركيا على الوفاء بالتزامات الدفاع الجماعي.
وتزداد أهمية هذا التحالف مع انتقاله من إعلان سياسي إلى مسار مؤسسي، بعد اجتماع اللجنة الاستراتيجية والدفاعية وإنشاء أمانة عامة للاتفاقية في الرياض. غير أن اختبار الاتفاقية جاء مع تصاعد الهجمات الحوثية؛ فقد تعرضت الرياض لمحاولات استهداف إرهابية عدة من جماعة الحوثي المدعومة من إيران.
في المقابل، تظهر باكستان خلال الفترة نفسها أمام ضغط أمني متعدد المسارات. فقد تصاعدت الهجمات في خيبر بختونخوا، ثم وقع هجوم كوهات، أعقبه قصف عبر الحدود؛ إذ سقطت ثلاث قذائف هاون أطلقت من الجانب الأفغاني قرب موقع أمني في مومند. وفي 21 سبتمبر ردت باكستان بغارات جوية داخل أفغانستان، معلنة استهداف مسلحين، بينما أكدت الأمم المتحدة مقتل مدنيين، وهددت طالبان بالرد. وهكذا انتقل الضغط من الداخل إلى الحدود، وأصبح الجيش الباكستاني أمام جبهة أمنية غربية مفتوحة.
ويتزامن ذلك مع اضطراب أمني في سراوان والمناطق الحدودية مع إيران، وتشدد أمني باكستاني في بلوشستان. وإذا أضيفت هذه الجبهة إلى خيبر بختونخوا وأفغانستان، فإن باكستان تواجه بيئة أمنية متعددة الجبهات، وهو ما يؤثر في توزيع قواتها واهتمامها الاستراتيجي، وإن كان لا يثبت بذاته وجود تنسيق خارجي لإرباكها ولكن هي قراءة عامة للأحداث ومحاولة ربطها بما يقع في الشرق الأوسط والاتفاقيات القانونية التي نشأت على ضوئها اتفاقية مكة للتعاون العسكري المشترك.
وفي الجهة المقابلة، بدأت (الولايات المتحدة والهند) في 15 سبتمبر مناورة «يود أبهياس 2026»، التي تشمل مكافحة الإرهاب، والعمليات المشتركة، والطائرات المسيرة ومكافحتها، وتُجرى في جزء منها بمنطقة راجستان القريبة من الحدود الباكستانية. ولا يكفي هذا التزامن وحده لإثبات أن المناورة تستهدف إشغال باكستان، غير أن تزامنها مع تصاعد الضغوط الأمنية على باكستان، وفي الوقت ذاته مع تصاعد التهديدات التي تواجه المملكة العربية السعودية، يفتح سؤالا استراتيجيا أوسع: لماذا تزامنت هذه التطورات في هذا التوقيت تحديدا، وهل تعكس مجرد أحداث متزامنة فرضتها حسابات مستقلة، أم أنها تكشف عن تحولات متداخلة في موازين الأمن والردع في المنطقة؟
ومن الناحية القانونية، فإن اتفاقية مكة تمثل التزاما تعاقديا بين الدول الثلاث، وتترتب عليها آثارها وفق أحكام الاتفاقية وقواعد القانون الدولي ذات الصلة، متى استوفت شروط نفاذها. وقد تبرز، في ضوء التطورات الراهنة، فرضية وجود محاولات، لا يمكن الجزم بها في ظل المعطيات المتاحة، لإضعاف فاعلية الاتفاقية أو الحد من قدرتها على تحقيق أهدافها الدفاعية. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس من صنع الأزمة؟ بل من يستفيد من نتائجها، ومن المستفيد من إشغال باكستان بتعدد جبهاتها الأمنية ليؤثر في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وأداء أدوارها الفاعلة ضمن منظومة الدفاع التي أنشأتها اتفاقية مكة؟
وعليه فإذا كان تعدد الجبهات الأمنية قد أصبح وسيلة محتملة لإشغال باكستان، فإن مصلحة الرياض لا تكمن في انتظار اختبار اتفاقية مكة عند وقوع الأزمة، وإنما في تفعيل دورها الدبلوماسي مبكرا، والعمل على احتواء بؤر التوتر المحيطة بباكستان، بما يحافظ على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وأداء دورها الفاعل ضمن منظومة الدفاع الجماعي.
