في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لا نحتفي فقط بذكرى تأسيس وطن، بل نستحضر مسيرة طويلة من البناء والتنمية شملت مختلف مناحي الحياة، وكان القطاع الصحي أحد أبرز المجالات التي شهدت تحولا متسارعا وعميقا خلال العقود الماضية. فمنذ البدايات الأولى لتأسيس المملكة، كان توفير الرعاية الصحية للمواطن والمقيم هدفا أساسيا ضمن مسيرة بناء الدولة الحديثة، ومع مرور السنوات توسعت الخدمات الصحية، وانتشرت المستشفيات والمراكز الصحية، وتطورت الكوادر الوطنية، حتى أصبحت المملكة اليوم تمتلك منظومة صحية متقدمة تجمع بين الرعاية الوقائية والعلاجية والتأهيلية، وتستفيد من التقنيات الحديثة والأنظمة الرقمية والبحث والابتكار.

وقد أخذ هذا التحول مسارا أكثر شمولا مع إطلاق رؤية المملكة 2030، التي أعادت صياغة مفهوم القطاع الصحي ليصبح أكثر ارتباطا بجودة حياة الإنسان، وليس فقط بعلاج المرض، فأصبحت الوقاية والكشف المبكر، وتحسين تجربة المستفيد، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز الصحة العامة، وتطوير نماذج الرعاية، والشراكة مع القطاع الخاص، والاستثمار في التقنية والكوادر الوطنية، جميعها مكونات أساسية في رحلة التحول الصحي التي تشهدها المملكة.

وتكشف المؤشرات الحديثة عن حجم هذا التحول؛ فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع في المملكة من 74 عاما في عام 2016 إلى نحو 79.7 عاما في عام 2025، في حين وصلت التغطية بالخدمات الصحية إلى نحو 97.5% من التجمعات السكانية. كما شهدت المملكة انخفاضا في الوفيات الناتجة عن الأمراض المعدية والأمراض غير المعدية، إلى جانب انخفاض ملحوظ في الوفيات الناتجة عن حوادث الطرق، وهي مؤشرات تعكس أثر الاستثمار المستمر في الوقاية والرعاية الصحية وتحسين جودة الخدمات.

ولم يتوقف التطور عند بناء المنشآت الصحية وتوسيع نطاق الخدمات، بل انتقلت المملكة إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها التقنية عنصرا رئيسيا في تقديم الرعاية. وأصبحت الخدمات الصحية الرقمية جزءا من الحياة اليومية للمستفيد، من خلال المنصات الالكترونية والوصفات الرقمية والاستشارات عن بُعد وخدمات المتابعة الصحية، في الوقت الذي تجاوز فيه عدد المستفيدين من تطبيق «صحتي» 31 مليون مستفيد، كما توسعت خدمات مستشفى صحة الافتراضي لتصل إلى مئات الآلاف من المستفيدين عبر شبكة واسعة من المنشآت الصحية المرتبطة به. وهذا التحول يؤكد أن مستقبل الرعاية الصحية في المملكة لن يعتمد فقط على المنشآت الطبية التقليدية، وإنما سيتجه بصورة أكبر نحو الرعاية الرقمية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والطب الشخصي والتنبؤ بالمخاطر الصحية.

وفي قلب هذا التحول يأتي قطاع الدواء، الذي أصبح يمثل أحد المكونات الأساسية للأمن الصحي الوطني. فالدواء لم يعد مجرد منتج علاجي يصل إلى المريض من خلال الصيدلية، بل أصبح جزءا من منظومة متكاملة تشمل التصنيع والتسجيل والرقابة والتخزين والنقل والتوزيع والتتبع واليقظة الدوائية وضمان الجودة وسلامة المرضى. وقد أسهمت الجهود التنظيمية التي تقودها الهيئة العامة للغذاء والدواء في تعزيز جودة المنتجات الدوائية وسلامتها، ورفع مستوى الرقابة على سلسلة الإمداد، وتطوير الأنظمة التي تتيح تتبع الدواء منذ مراحل تصنيعه أو استيراده وحتى وصوله إلى المستفيد.

وهنا تبرز أهمية التحول من مفهوم توفير الدواء إلى مفهوم الأمن الدوائي؛ فالأمن الدوائي لا يعني فقط أن يكون الدواء موجودا في السوق، وإنما يعني أن يكون آمنا وفعالا وموثوق المصدر، وأن تتوفر له سلاسل إمداد قادرة على مواجهة الأزمات، وأن تكون لدى المملكة قدرات محلية في التصنيع والتخزين والتوزيع والبحث والتطوير. وقد أصبح هذا التوجه أكثر وضوحا مع البرامج والمبادرات التي تستهدف توطين الصناعة الدوائية، وتشجيع الاستثمار في الصناعات الحيوية والأدوية الجنيسة والعلاجات المتقدمة، بما يعزز قدرة المملكة على تلبية احتياجاتها الصحية ويدعم في الوقت نفسه الاقتصاد الوطني.

وتأتي صناعة الدواء المحلية اليوم كأحد المجالات الواعدة التي يمكن أن تشكل مستقبلا اقتصاديا وصحيا مهما للمملكة. فالمطلوب لم يعد فقط زيادة عدد المصانع، وإنما بناء صناعة دوائية قادرة على الابتكار والمنافسة، والاستثمار في البحث والتطوير، وتطوير الكفاءات الوطنية، ونقل التقنية، وإنتاج الأدوية والمستحضرات الحيوية والعلاجات المتقدمة، بما يجعل المملكة مركزا إقليميا في الصناعات الصحية والدوائية.

وفي هذا السياق، اكتسبت الصيدليات أهمية متزايدة باعتبارها إحدى أهم نقاط الاتصال المباشر بين النظام الصحي والمجتمع. فقد تطورت مهنة الصيدلة بصورة كبيرة، ولم يعد دور الصيدلي مقتصرا على صرف الدواء، بل أصبح يمتد إلى التثقيف الدوائي، ومراجعة العلاج، وتعزيز الالتزام الدوائي، واليقظة الدوائية، وترشيد استخدام الأدوية، والمشاركة في الرعاية السريرية، والمساهمة في تحسين نتائج العلاج. ومع توسع تطبيقات الصيدلة السريرية والطب الشخصي والذكاء الاصطناعي، أصبح الصيدلي أمام فرصة حقيقية للانتقال من الدور التقليدي إلى دور أكثر تأثيرا في القرارات العلاجية والرعاية الصحية.

كما يمثل توطين مهن الصيدلة خطوة مهمة في مسيرة تطوير القطاع، ليس فقط من حيث توفير فرص العمل للكفاءات الوطنية، وإنما من حيث بناء مسار مهني مستدام للصيدلي السعودي، يتيح له العمل في الصيدليات المجتمعية والمستشفيات والصناعة الدوائية والبحث العلمي والجهات التنظيمية والتعليم والتدريب. ومع زيادة الطلب على التخصصات الدقيقة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار بصورة أكبر في برامج الدراسات العليا والتخصصات الصيدلانية الحديثة، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل والصناعة الوطنية والتحولات التي يشهدها القطاع الصحي.

ومن الملفات التي تعكس طموح المملكة في صناعة مستقبل الدواء توجهها المتزايد نحو الابتكار والعلاجات المتقدمة. فالتطور في علم الجينوم والطب الدقيق والعلاجات الجينية والبيولوجية والأدوية المخصصة للمرضى يفتح مجالات واسعة أمام الجامعات ومراكز الأبحاث وشركات الدواء السعودية. كما أن التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحدث نقلة نوعية في اكتشاف الأدوية وتحليل البيانات الصحية والتنبؤ باستجابة المرضى للعلاج وتحسين استخدام الموارد الصحية.

وهنا تبرز أهمية الجامعات وكليات الصيدلة ومراكز الأبحاث باعتبارها شريكا رئيسيا في المرحلة القادمة. فالتحدي لم يعد فقط تخريج أعداد أكبر من الصيادلة، وإنما تخريج صيدلي يمتلك المعرفة العلمية والمهارات السريرية والقدرة على التعامل مع البيانات والتقنيات الحديثة، والمشاركة في البحث والابتكار والصناعة. كما أن ربط الجامعات بالقطاع الصحي والصناعة الدوائية يمكن أن يحول البحث العلمي من مخرجات أكاديمية إلى منتجات وحلول حقيقية تخدم المريض وتدعم الاقتصاد الوطني.

إن مسيرة المملكة خلال 96 عاما تؤكد أن التنمية الصحية ليست مشروعا مؤقتا، وإنما رحلة مستمرة تتطور مع احتياجات المجتمع وتغيرات العالم. وما تحقق في السنوات الماضية يمثل أساسا مهما لمرحلة جديدة سيكون عنوانها الأبرز جودة الحياة، والوقاية، والتحول الرقمي، والتوطين، والأمن الصحي والدوائي، والبحث والابتكار.

وفي ذكرى اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، تبدو الصورة أكبر من مجرد أرقام أو منشآت أو خدمات؛ إنها قصة وطن جعل الإنسان محور التنمية، واستثمر في صحته وعلمه وجودة حياته، وانتقل خلال عقود قليلة من مرحلة بناء البنية الأساسية للخدمات الصحية إلى مرحلة صناعة المستقبل الصحي والدوائي.

ومن هنا، فإن الاحتفال باليوم الوطني ليس احتفالا بما تحقق فقط، بل هو أيضا استشراف لما يمكن أن تحققه المملكة في السنوات المقبلة. فالمستقبل الصحي الذي نطمح إليه هو مستقبل يكون فيه الدواء أكثر أمانا، والصناعة الدوائية أكثر قدرة على المنافسة، والصيدلي أكثر حضورا في منظومة الرعاية، والبحث العلمي أكثر ارتباطا باحتياجات المجتمع، والتقنية والذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على تحسين حياة الإنسان.

وبعد 96 عاما من البناء، تستمر المسيرة نحو مرحلة جديدة تصبح فيها الصحة والبحث والابتكار منظومة واحدة متكاملة، تسهم في حماية صحة المجتمع، وتعزيز جودة الحياة، ودعم الاقتصاد الوطني، وترسيخ مكانة المملكة بوصفها دولة لا تكتفي بصناعة حاضرها، بل تعمل بثقة على صناعة مستقبلها.