اسمي عبير. بسيط، مألوف، لا غرابة فيه. لكن منذ سنوات طويلة أقف فيها أمام طلاب من كل أنحاء العالم، تعلمت أن أنتظر اللحظة التي يناديني فيها أحدهم لأول مرة، لأن ما سأسمعه غالبا لن يكون اسمي بالضبط. "أستاذة أبير" ستقولها شفاههم، والعين التي تفتح الاسم من أوله ستختفي، ويحل محلها صوت أخف، أقرب لهمزة عابرة، فيصبح "عبير" شيئا آخر تماما: "أبير". لا أغضب، ولا أصحح بجفاف، لكنني في كل مرة أتوقف لحظة أمام هذا الانزلاق الصغير، لأنه في الحقيقة ليس صغيرا على الإطلاق.

فكرت طويلا: لماذا يسقط هذا الحرف تحديدا؟ العين في العربية صوت يُنتج من أقصى الحلق، بتضييق حقيقي لا وجود له في أغلب اللغات التي يأتي منها طلابي، من أمريكا اللاتينية إلى كوريا واليابان. ليست مسألة كسل ولا إهمال، بل إن الحلق نفسه لم يتدرب يوما على هذه الحركة، فحين يحاول الطالب نطقها، يستبدلها عقله تلقائيا بأقرب صوت يعرفه، وغالبا ما يكون همزة خفيفة لا تكلفه شيئا.

وهذا لا يتوقف عند العين وحدها. طلابي من كوريا واليابان يقفون أمام مشكلة مشابهة تماما مع حرفي اللام والراء: لغتاهما لا تملكان أصلا صوتين منفصلين لهذين الحرفين، بل صوتا واحدا يؤدي وظيفة الاثنين معا، فتخرج كلماتهم أحيانا بلام مكان راء، أو العكس، دون أن يشعروا أن هناك خطأ من الأساس، لأن أذنهم لم تُدرَب يوما على الفرق بينهما. وطلابي من أمريكا اللاتينية، حين يواجهون صوت الجيم، ينطقونه أقرب إلى ياء خفيفة، لأن لغتهم لا تعرف ذلك الصوت الانفجاري الذي يبدأ فيه اللسان محتبسا ثم ينطلق فجأة، فتتحول كلمة مثل "جميل" في أفواههم إلى شيء أقرب لـ"يميل". وحتى صوت الضاد نفسه، الذي تشتهر العربية باسمه حتى صارت تُعرف بـ"لغة الضاد"، لا وجود له في أي لغة أخرى على وجه الأرض، فما بالك بحلق لم يألفه يوما.

وما يلفت انتباهي أكثر أن هذا لا يحدث بالحدة نفسها مع طلابي الذين نشأوا على قراءة القرآن الكريم، حتى لو لم يكونوا عربا أصلا. آذانهم تدربت منذ الطفولة على سماع هذه الأصوات في سياق التلاوة اليومية، وألسنتهم اعتادت حركتها دون أن يبذلوا جهدا واعيا لتعلمها، فحين يصلون إلى درسي، يبدأون من نقطة سبقهم إليها آخرون قبل أن يفتحوا كتابا واحدا في قواعد اللغة.

هذه الملاحظة البسيطة التي عشتها بنفسي، تحمل في طياتها فكرة أعمق كثيرا مما تبدو عليه. فحين يفشل صوت واحد في الوصول بشكله الصحيح، لا ينهار جزء بسيط من الكلمة، بل قد تنهار الكلمة كلها كوحدة معنى. أثبت هذا علميا اللغويان تريسي ديروينغ وموراي مونرو، اللذان كرسا أبحاثا طويلة لدراسة ما يسمى بـ"وضوح الكلام" لدى متعلمي اللغة الثانية، ووجدا أن المستمع الأصلي يتجاوز عادة الأخطاء النحوية بسهولة نسبية، فهو يفهم القصد حتى لو جاء التصريف مكسورا. لكن حين يتغير الصوت نفسه، ينهار الفهم فجأة، ولو كانت بقية الجملة سليمة تماما. بعبارة أخرى، يمكن أن تخطئ في القاعدة وتفهم، لكن يكفي أن يفلت منك مخرج حرف واحد لتصبح كلمة مختلفة كليا عما قصدت.

ولم يكن هذا اكتشافا حديثا. فقبل أكثر من ألف ومئتي عام، جلس سيبويه ليكتب مرجعه الخالد في اللغة العربية، ولم يبدأ من الإعراب ولا من تراكيب الجملة، بل خصص بابا كاملا لمخارج الحروف: أين يخرج كل صوت بالضبط، وماذا يحدث للمعنى إن انزلق المخرج قيد أنملة واحدة. كان يعرف، بحدسه اللغوي العميق، أن كل بناء نحوي مهما بلغت دقته، يظل هشا إن لم يُبنَ على أساس صوتي سليم.

وربما هذا بالضبط ما يجعلني، كل مرة أسمع فيها "أستاذة أبير"، أفكر لا في اسمي وحده، بل في كل طالب يقف أمامي وهو يظن أنه أوصل فكرته كاملة، بينما صوت واحد صغير غير المعنى دون أن يدري. أتخيل كم كلمة يحاول طلابي قولها كل يوم فتصل مشوهة قليلا، وكم مرة يشعرون بإحباط صامت حين يرون في عيون من يستمع إليهم علامة استفهام بدل الفهم، فينسحبون تدريجيا من الكلام، مفضلين الصمت على تكرار هذا الإحراج الصغير.

كيف نساعدهم فعلا؟

لهذا لم يعد تدريب النطق في نظري جزءا ثانويا من الدرس، يُضاف إذا فضل وقت في نهاية الحصة، بل هو العمود الذي تُبنى عليه ثقة الطالب حين يتكلم. ومن واقع سنوات طويلة في هذا المجال، هناك خمسة مبادئ بسيطة تصنع فرقا حقيقيا:

1- تدريب الأذن قبل اللسان. قبل أن يُطلب من الطالب نطق صوت جديد، الأجدى أن يسمع الفرق أولا بينه وبين أقرب صوت يعرفه في لغته، فكثير من "أخطاء النطق" هي في جوهرها أخطاء سمع لم تُكتشف بعد.

2- الاستعانة بالجسد لا بالشرح النظري وحده. حين يضع الطالب إصبعه على حلقه ليشعر بموضع الصوت، يفهم أسرع بكثير مما لو استمع لشرح تجريدي عن "مخرج الحرف".

3- ربط كل صوت صعب بكلمة أو موقف يهم الطالب شخصيا. الصوت الذي يتعلمه داخل جملة عن اسمه أو حياته يثبت في الذاكرة أضعاف ما يثبت في كلمة معزولة مكررة آليا.

4- تحويل الخطأ إلى لحظة خفيفة لا إلى إحراج. حين يضحك المعلم مع الطالب لا عليه، ويشرح له الفرق بابتسامة، يتحول الموقف المحرج إلى ذكرى يتعلم منها بدل أن ينسحب بسببها.

5- التكرار بذكاء لا بملل. الجيل الذي نعلمه اليوم يمل بسرعة من التكرار التقليدي، فاستبداله بألعاب قصيرة وأنشطة متجددة يحقق الهدف نفسه من غير رتابة تُفقد الطالب حماسه.

ولعل أجمل ما في الأمر أنني لم أعد أصحح "أبير" إلى "عبير" بجفاف، لأنني تعلمت أن كل اسم يُنطق بحلق لم يألفه بعد هو رحلة يستحق صاحبها أن يُمنح فيها الوقت الكافي ليصل. وكل صوت نُهمل تدريبه في الصف، هو جزء من هوية أحدهم قد يبقى ضائعا لولا أن يجد من يصغي إليه بصبر كاف ليكتمل.