بينما نتنسم عبير اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، وتغمرنا مهابة الفخر والاعتزاز، تفيض الذاكرة الوطنية بصفحات ملحمة تاريخية خالدة، سطر فصولها بمداد من نور وعزيمة لا تلين الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه. لقد انطلق هذا القائد الفذ، مستندا إلى إيمان راسخ ببارئه، ويقين تقهر به الإرادةُ المستحيلَ، ليلم شتات القلوب قبل الجغرافيا، ويصهر الفرقة تحت راية التوحيد الخفاقة، معلنا ولادة كيان شامخ الأركان، تأسس على قيم العدل والإنصاف وتحكيم شرع الله القويم. ولم تكن مسيرة التوحيد مجرد عبور عابر في دروب الزمن، بل كانت تجسيدا حيا لمعاني البذل والتضحية، رسمت ملامحها بدماء الأبطال الزكية وعرق الأجداد المخلصين الذين التفت قلوبهم قبل سواعدهم حول راية قيادتهم. ومنذ تلك اللحظة التاريخية التي أرسى فيها الملك عبد العزيز طيب الله ثراه ركائز هذه الدولة المباركة، غدت المملكة منارة للسلام والتسامح تشع بضيائها على العالم، وبزغ فجر نهضة مستدامة تسابق العصور. إن إحياء هذه الذكرى الخالدة ليس مجرد احتفال عابر، بل هو استحضار واع لإرث ممتد، وتجديد لعهد الولاء والانتماء، وتأكيد مطلق على أن الأرواح ترخص والمقدرات تبذل فداء لرفعة هذا الكيان الشامخ وسؤدده.

لم تكن المملكة العربية السعودية يوما مجرد حدود على خريطة أو مساحة جغرافية، بل هي وطن يسكن في أعماقنا، وموطن للأصالة والمروءة والشموخ المتجذر في وجدان أبنائها وبناتها. وعلى امتداد مسيرة البناء والنماء، تتجلى شجاعة وعزيمة المواطن السعودي في أبهى صورها؛ واثقة الخطى، صلبة كشموخ جبل طويق؛ ذلك الطود العظيم الذي اتخذه صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمين رمزا للهمة السعودية التي لا تنكسر، والجسارة التي تذلل الصعاب وتطوع المستحيل. وتحت مظلة هذه الروح الوثابة، تتضافر الجهود وتتكامل الطاقات لتشييد حاضر مشرق وصياغة مستقبل واعد عبر مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي حولت أرجاء المملكة إلى ورشة عمل كبرى تعمر المكان، وتبني الإنسان، وتستثمر في طاقاته الإبداعية.

وفي سويداء هذا الوطن المعطاء، ينبض الولاء الصادق والوفاء المتجدد لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى عضده المتين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظهما الله ورعاهما، اللذين يقودان سفينة الوطن برؤية حكيمة وبصيرة نافذة نحو مرافئ العز والريادة العالمية. إن اصطفافنا المتين خلف قيادتنا الرشيدة يترجم التزامنا بنهج سعودي فريد، يوازن باقتدار فذ بين امتلاك القوة العسكرية الرادعة التي تحمي السيادة وتصون الحدود، وبين استثمار أدوات القوة الناعمة المتمثلة في التقدم العلمي، والثراء الفكري، والابتكار المعرفي الذي يخدم البشرية.

إن المتأمل في سجل المنجزات الوطنية المتلاحقة يدرك بلا ريب كيف تحولت الأحلام الكبرى إلى واقع ملموس يبهر العالم بأكمله. فها نحن اليوم نطوي المسافات بقفزات تاريخية غير مسبوقة في شتى الميادين، مستحضرين بكثير من الفخر كيف تحولت الرمال إلى حاضنات لمدن ذكية ومشاريع حالمة تعانق المستقبل؛ كمدينة نيوم أيقونة الإبداع، ومشروع البحر الأحمر الفاخر، وبوابة الدرعية الضاربة في عمق التاريخ والأصالة، ومشاريع القدية الترفيهية الكبرى، لتقدم المملكة للعالم نماذج ملهمة في الاستدامة البيئية وجودة الحياة البشرية. ولم تتوقف عجلة الإعمار عند تشييد الصروح والمباني، بل ارتكزت بالأساس على الاستثمار في الإنسان؛ فكان تمكين المرأة السعودية لتتبوأ مكانتها المستحقة كشريك فاعل وأساسي في دفع عجلة التنمية، وعانق شباب الوطن النجوم واثقين، سابرين بعزيمتهم وأبحاثهم أغوار الفضاء الخارجي.

وفي تجسيد جلي لثقل المملكة ومكانتها الجيوسياسية الرائدة، توالت المكتسبات الدبلوماسية والتنموية والرياضية الكبرى، وتكللت بالفوز التاريخي باستضافة معرض إكسبو 2030، والاستضافة التاريخية المرتقبة لكأس العالم لكرة القدم 2034، في برهان ساطع على ثقة العالم في قدرة المملكة الاستثنائية على تنظيم كبرى المحافل الدولية. وتأكيدا على دورها الإنساني والبيئي الفعال، قادت المملكة الجهود البيئية الدولية عبر مبادرتي السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر، واضعة بصمة خضراء مستدامة على خارطة الكوكب تصنع الفارق للأجيال القادمة.

وتتسع خارطة هذا المجد لتطوق بقاعا شرفها المولى عز وجل واصطفاها برحمته؛ فمن مكة المكرمة، مهبط الوحي والمركز الروحي للكون وقبلة المسلمين التي تهوي إليها الأفئدة طمعا في الطمأنينة والسلام، إلى المدينة المنورة التي تحتضن المسجد النبوي الشريف ومثوى خاتم الأنبياء والمرسلين، رسول الرحمة المهداة للعالمين. ومن روحانية وجلال الحرمين الشريفين، إلى هضاب نجد الشامخة النابضة بالبطولات ومصنع القادة والفرسان الذين صاغوا بدمائهم ملاحم التوحيد، تتلاحم أرجاء هذا الوطن المعطاء من شماله الأبي إلى جنوبه الشامخ، ومن شرقه الواعد بكنوز الأرض إلى غربه الحاضن لأمواج البحر؛ مشكلين نسيجا وطنيا فريدا متماسكا، لتظل المملكة على مر التاريخ منارة شامخة للحق والعدل، وحصنا منيعا يذود عن حياض الأمة ويدفع عن الإنسانية غياهب الجهل والظلام بفضل الله وحفظه.

بينما نقف اليوم على عتبات هذا المستقبل المشرق الذي تصيغه قيادتنا الملهمة بإنجازات لا تعترف بمفردة المستحيل، نرفع أكف الضراعة والحمد للخالق عز وجل، ونعاهده سبحانه على أن نكون الجيل الأمين الذي يحمل راية الأجداد بكل كفاءة واقتدار. وفي ذكرى يومنا الوطني السادس والتسعين، نجدد البيعة والعهد على مواصلة مسيرتنا نحو قمم المجد، واضعين نصب أعيننا صون المكتسبات الوطنية ورعايتها بالبناء والنماء؛ يدا تبني وتعمر، وأخرى تحمي وتذود، متيقظين بكل حزم وقوة للدفاع عن سيادتنا ومقدراتنا ضد كل طامع أو حاقد. اليوم، نصدح بها مدوية ليسمعها العالم بأكمله: سنبذل الغالي والنفيس ونجود بالأرواح ليبقى هذا الوطن شامخا، وطنا حيا نابضا بالعطاء، تشيد أمجاده بسواعد أبنائه الأوفياء وعزائم بناته المخلصات، ليدوم وطنا للسلام، وحصنا للأمان، وموطنا للقمم.